“أنا” الحقيقية و”أنا” التي تعرفونها

عام
فريق شيزلونج
كتبت بواسطة فريق شيزلونج

كتبتها لشيزلونج: آيات جودت

 

مرحلة “البونبوناية”

 

يعاملني جميع من حولي منذ الصغر على أني شخص لطيف، أو “بونبوناية”  كما قال لي أحدهم ذات يوم.

لا أنكر أني تربيت على أن أكون طفلة لطيفة ومطيعة، فصرت بالتدريج لطيفة بالفعل بناء على ما تلقيت من معاملة، ولكن كان هذا هو الحال في طفولتي البعيدة. فمع الوقت بدأت نظرتي للحياة وللأشخاص تتغير، وكنت أريد من الجميع أن يعاملوني كما أرى نفسي فعلًا، فتاة لها آراؤها الخاصة، لطيفة حينًا وعصبية أحيانًا.

لكنني حين كبرت وعملت في بيئة عمل تقليدية، ظلوا طوال الوقت يقارننوني بأمي (حيث كنا نعمل معا) قائلين إني لطيفة لكني لا أشبهها في رقتها متسائلين في استنكار: لماذا لا أحاول أن أتشبه بها؟ أو كيف للرقة التي تمشي على قدمين، التي هي أمي، أن تنجب هذه الفتاة الصاخبة اليت هي أنا؟

الغريب في الأمر، أنني لا أصنّف نفسي أبدًا كفتاة صاخبة، على الإطلاق، بل إنني هادئة للغاية، حتى أن البعض قد يظنون بي في لقائنا الأول أني “تنكة” ولا أحب التعامل مع الآخرين.

أستطيع الآن القول بكل ثقة، إن فترة عملي في هذا المكان والتي تلت تخرجي مباشرة، كانت أكثر فترة بدوتُ فيها في عيون الآخرين كما لم أكن على حقيقتي،فكانوا يستغربون بشدة كل أفعالي، كل كلامي، وكل ردود أفعالي.

في الواقع، عندما أسترجع مواقفي مع أهلي وعائلتي، أجدهم لم يعرفوا حقيقتي أبدًا، ودائمًا ما كانوا يفاجأون بما أقول أو أفعل، ما يجعلني  أتساءل: هل تقمصت دور الفتاة اللطيفة جيدًا حتى أنهم لا يستطيعوا تقبلي بأي شكل آخر، أم أنني دون وعي مني كنت أتراجع عمّا أريد فعله بالفعل، كي لا تهتز صورتي لديهم، الصورة التي كونوها هم بناءًا على أفكارهم، وليس استنادًا على أفعالي وشخصيتي الحقيقية، حتى أن والدتي كانت تلقبّني بالغريبة كلما سنحت لها الفرصة.

 

هل أنا حقا غريبة؟

دأب جميع من حولي على وصفي بالغرابة ، وهو ما كنت أكرهه بالطبع في البداية.

ما المبرر وراء نعت زملاء الدراسة والمدرسين لي بالغرابة لمجرد أني أحب القراءة والأفلام الأجنبية منذ الصغر، ألا يبدو هذا الأمر غريبًا على جانبهم هم؟

لقد ظل المحيطون يشعرونني بغرابة أطواري، حتى اضطررت طويلا لأن أتقمص دوراً لا يوافق حقيقتي كي لا أوصم بالمزيد من الغرابة.

هكذا ظل وضعي حتى عثرت أخيرًا على أشباهي (وأشكر الإنترنت على ذلك) وهم الذين ما أن عثرت عليهم حتى تمسكت بهم وغدوتُ معهم ذاتي بحرية و أكتب ما أشعر به، وقد كنت أخفي كتاباتي في البداية على مدونة شخصية لا يعرف بها سوى أقل القليل.

وبعد أن بدأ عالم مواقع التواصل الإجتماعي يكبر بشكل سريع، وبدأت معه شخصيتي الحقيقية تظهر للوجود بشكل أكبر، ولأن تلك ال”أنا” الحقيقية تتعارض مع ال “أنا” الكيوت المتعارف عليها، فقد بدأت أمي تستنكر أفكاري، وبدأ أبي يعاتبني على كتابتي لبعض الأمور التي أجدها طبيعية وغير مفتعلة بينما يراها هو غير ملائمة…و كل ما حدث فعليا هو أني خرجت حيئذٍ من إطار البنت “الكيوت”، لأنني لست “كيوت”!

أقول أنني شخص غير كيوت، وأن بداخلي بركان هائل رافض لكل ما حولي، ولكن بالرغم من انفتاحي الاجتماعي على العالم الافتراضي، فإن أصدقائي لا يزالون يرون أنني عارٌ على برج العقرب!  يسأل  أصدقائي مشاكسين: أين العقرب في أفعالك؟

حينها  أراجع أفعالي لأعود مجددًا لنقطة الصفر، هل أنا طيبة مثلما يقولون؟ هل أنا غاضبة وشخصية لا تتحمل النفاق الاجتماعي؟ أم أنني صاخبة وغريبة ومختلفة؟

حتى هذه اللحظة، لا أعلم بعد..لكن ما أعلمه إلى الآن هو أني كنت هكذا لأنهم هكذا أرادوني.

أترك تعليق