Blog Post

هل أنت مدمن؟هل في حياتك مدمن؟ اقرأ هذا المقال

نشر بواسطة

ShezlongAdmin

المشاركة الى:

 

 

منذ حوالي قرن من الزمان، بدأت الحضارة الإنسانية الوعي بخطورة إدمان تعاطي المواد المخدرة، وبدأ النفسانيون والمهتمون بعلم الاجتماع وصناعة القرار السياسي في الربط بين تراجع ازدهار مجتمعاتهم وبين تزايد أعداد المدمنين، ومن ثم بدأت الحرب على المواد المخدرة بحظرها وتجريمها ونبذ متعاطيها ووصمهم كمجرمين.

في كتابه “مطاردة الصراخ”  أو  Chasing the Scream   يقدم الكاتب الصحفي الإنجليزي السويسري جوهان هاري تصورا بديلا لكيف يجب على المجتمع أن يعامل مدمن المواد المخدرة.

في كتابه، يعرض هاري للقارئ نظريتين مختلفتين تتعلقان بأسباب الإدمان بناءعلى تجربتين نفسيتين عمليتين: في الأولى (وهي التجربة التي طبقت في ستينيات القرن الماضي ) يوضع فأر التجارب وحده في قفص لا يضم معه إلا علبتان في إحداهما ماء نقي، وفي الثانية ماء مخلوط بالهيروين أو الكوكايين، فيشرب الفأر بهوس من العلبة التي تحتوي على المادة الكيماوية حتى يقتل نفسه لكثرة الشرب…هذه التجربة هي التي قادت العلماء إلى الاعتقاد بأن الفأر وقع رهينة الاعتماد الكيميائي على المادة المخدرة حتى قتل نفسه.

في التجربة الثانية التي تم تطبيقها في السبعينيات، يوضع الفأر مصحوبا بفئران آخرين في قفص مهيأ كي يبدو للفئران كما لو كان حديقة مصغرة، بها أفضل طعام يمكن لفأر أن يحصل عليه، وبها كُرات ملونة  وعدد من الأنفاق التي تخلق جوا من التغيير والحركة والسعي، وبالطبع لم ينس القائمون على التجربة أن يضعوا علبتي الماء كما في التجربة السابقة، وقد وضعوا في إحديهما المادة المخدرة.

نتيجة التجربة كانت مذهلة…فالفئران لم تبدي اهتماما كبيرا بالهيروين، ولم تصب بهوس تنازل المياه المخدرة حتى بعد تذوقها، وطبعا لم يقتل أي من الفئران نفسه بجرعة زائدة من المادة المخدرة…

على نطاق البشر، يذكرنا الكاتب بتجربة يراها مماثلة تتمثل فيما حدث في السبعينيات للجنود الأمريكيين الذين عادوا بعد ما عانوا من ويلات التورط في الحرب الفيتنامية والبعد عن الأهل والحياة الطبيعية التي اعتادوها وقد أدمن ما يزيد على 20% منهم على الهيروين.

هذه الحقيقة الإحصائية التي سببت الذعر للأمريكيين في السبعينيات من كون الآلاف من “المدمنين” عادوا من الخارج بعد انتهاء الحرب ليثيروا الانفلات في شوارع بلادهم، هذه الحقيقة تبددت تماما بعد أن تعافى 95% من الجنود المدمنين بمجرد رجوعه بلادهم وأسرهم وللانخراط في الحياة التي يحبونها! المفاجأة ليست في أنهم تعافوا فقط، بل إن الأكثر إدهاشا في الحقيقة أنهم تعافوا دون الاحتياج لبرامج إعادة التأهيل التي توفرها المصحات المتخصصة.

من هاتين الحكايتين، يستخلص الكاتب ونستخلص منه أن الإدمان ليس “اختطافا كيميائيا” كما ظنت البشرية لعقود..الإدمان الحقيقة ليس في “الكيميا”، بل هو في حقيقة الأمر في القفص الذي تعيش فيه والذي يدفعك لاستخدام المادة المخدرة بهوس كما لو كانت المهرب الوحيد من قفصك.

بعبارة أخرى فإن المدمن على المادة المخدرة، لا يدمن إلا لأنه غير سعيد وغير ممتلئ بما عداها. ففي حالة الفأر الوحيد، لم يكن يؤنس وحدته في قفصه فأر أو اثنان آخران، لم يكن يلهو ولا يحصل على طعام طيب ولا يجد كرات ملونة يدور معها وحولها ولا أنفاقا يمرح في متاهاتها مع أصدقائه، وهو مقيد الحركة غير مسموح له بالخروج من القفص، فلم يكن أمامه إلا تعاطي المادة التي رأى فيها مهربا من واقعه الضيق، تماما كالجنود على الجبهة، حيث لا أحباء ولا عائلات وحيث يبدو الوطن بعيدا جدا عن التناول، وحيث بدت لهم فايتنام كقفص كبير لا مفر منه. بعكس الفئران في التجربة الثانية، التي تلهت عن المخدر بالأصدقاء والمرح والسعي اللاهي في الأنفاق، فحتى حين توفر لها المخدر بتأثيره القوي، لم يكن بها حاجة لتعاطيه، تماما كما حدث مع الجنود الأمريكيين لدى عودتهم لديارهم، حيث الأحباء ينتظرونهم ويقدرون تضحياتهم ويبجلون تاريخهم الحربي، ويسمعون منهم حكاياتهم الصادمة عن الحرب وويلاتها.

من هنا، ينادي هاري في العالم: ليس ما نحتاجة هو نبذ المدمنين، ولا تجريمهم ولا الإلقاء بهم عقابا في الزنازين المغلقة، بل كل ما نحتاجه كمجتمعات هو أن نحب المدمنين، وأن ننصت لهم ونستمع إلى آلامهم وتجربتهم في الحياة..أن نوفر لهم بيئة تخرجهم من الأقفاص إلى الحياة الأرحب وأن نوفر لهم الأنفاق والكرات الملونة والطعام الجيد كي يقولوا بأنفسهم: لا للمخدرات.

وهنا يطرح الكاتب ما ذكره على لسان طبيب نفسي هولندي من أنه ربما ينبغي علينا ألا نسمي الإدمان إدمانا، وأن نعيد تسميته ليصبح “ارتباطا”..فالإنسان بطبيعته يحتاج لإنشاء علاقات وروابط مع الأماكن والأشياء والأشخاص، ولكن لأننا أحيانا نفشل في الارتباط بمن حولنا أو بوظائفنا أو بما نحب أن نفعل، فإننا نسعى تلقائيا للارتباط بأشياء تمنحنا شعور الارتباط وتكون متاحة ومريحة ولا تقاوم ارتباطنا بها، وتلك الأشياء قد تكون لعب القمار، أو الإدمان على الأفلام الإباحية، وربما الحشيش أو الكوكايين.

في حديث له لبرنامج تيد توكس الأمريكي الشهير، يصدمك الكاتب بالحديث عن تظاهرة نسائية في ولاية أريزونا الأمريكية، خرجت فيها النساء مرتديات ملابس كتب عليها “كنت مدمنة مخدرات” وكيف أنهن سرن إلى حفر محفورة في الأرض ورقدن فيها تعبيرا عن كيف يعامل المجتمع المدمنين في أنحاء مختلفة من العالم بوصفهم عارا ومجرمين، فيصمهم ويضعهم في السجون لتكون حياتهم قد انتهت بهذا للأبد.

الأكثر غرابة من هذا هو ما فعلته البرتغال عام 2000 عندما تزايدت أعداد المدمنين بها (1% من كل 100 فرد مدمن على الهيروين) ، فقررت ألا تتعقب المدمنين وهو ما يشكل عبئا على وزارة الداخلية، بل قررت أن توقف تجريم تعاطي المخدرات وأن تعيد توجيه كل الأموال التي تنفق على تعقبهم وسجنهم لخلق وظائف للمدمنين وتوفير قروض صغيرة لمشاريع يديرونها وشركات صغيرة…الآن، وبعد مرور ما يقل على عقدين من بدء تلك التجربة، انخفضت نسبة المدمنين في البرتغال تلقائيا بنسبة 50% ودون الاحتياج لبرامج إعادة تأهيل…إنه سحر الارتباط بالناس والمجتمع وإيجاد هدف حقيقي في الحياة.

ويأخذنا هاري في حديثه من هذه النقطة إلى شرح كيف أننا في الحياة الحديثة مغتربون ومنعزلون، ونظن أن علاقاتنا على الفيسبوك وتويتر تجعلنا نظن أننا متواصلون، في حين أننا في المصائب والأزمات لا نجد أيا من متابعينا على مواقع التواصل حاضرين لإنقاذنا!

وفي الختام يدعو هاري الجميع لأن يحبوا المدمنين في عائلاتهم وبين أصدقائهم…إن كنت مدمنا فاطلب الحب ممن هم حولك، وادعهم لأن يقرأوا معك ها المقال، وإن كنت خاليا من الإدمان وفي حياتك مدمن، فقم الآن من أمام هذه الشاشة وقل له/ لها: أنا أحبك، وبصورة غير مشروطة.

 

لمشاهدة حديث جوهان هاري إلى Ted Talks اضغط هنا

اجعل الحياة أفضل: انشر هذا المقال على

اترك تعليقاً

Required fields are marked

اشترك في نشرة الأخبار ليصلك أفضل المقالات لدينا: