لماذا يصبح المثليّ مثليا؟

عام
فريق شيزلونج
كتبت بواسطة فريق شيزلونج

 

لا توجد إجابة واحدة متفق عليها لهذا السؤال: لماذا يصبح المثلي جنسيا مثليا؟!

 

الاختلاف في التوجه الجنسي بأشكاله المختلة (المثلية الجنسية أو التفضيلات الجنسية الخارجة عن المألوف)  عموما من الأمور التي تثير الكثير من الجدل في جميع أنحاء العالم.

 

ففي الولايات المتحدة الأمريكية مثلا تشغل مسألة الحقوق المدنية للأزواج من نفس الجنس حيزا كبيرا من مناقشات الفضاء العام، وبينما نجد بعض الولايات تتقبل المسألة، نجد ولايات أخرى تتحفظ في تقبلها وتبنيها اجتماعيا وقانونيا. والأمر لا يختلف كثيرا داخل المجتمعات الأوروبية التي تختلف في مدى تقبلها للمسألة اجتماعيا وبالتالي على المستوى المؤسسي والقانوني.

 

وفي القلب من هذا الجدل الدائر، نجد سؤالا مثارا حول الأسباب التي تؤدي إلى انجذاب الأفراد إلى جنس معين دون الاخر، وإن كان الأمر ينبغي أن يعامل بوصفه مرضا أم أن المثلية الجنسية شيء وراثي لا يملك الفرد حياله تغييرا أم أنه خيار يصنعه الناس ويتبعونه بإرادتهم الحرة.

 

وتشير الدراسات أن ما يتعلق بالميول الجنسية قد يتحدد في مرحلة عمرية مبكرة جدًا، فتجد أطفال لا يتطابقون مع هوياتهم الجنسية، ما بين أطفال ذكور يميلون إلى ارتداء الفساتين، وأطفال إناث يملن إلى عوالم الذكورة أكثر من عوالمهن، وهو ما قد يكون مؤشرا مبكرا إلى تفضيلاتهم الجنسية فيما بعد.

 

وتعرف الدراسات التي أقيمت حول ردود الفعل الاجتماعية بشأن المثلية الجنسية أن النظرة الاجتماعية للأمر مرتبطة بالمواقف السياسية حول التوجه الجنسي، وأن رد الفعل الاجتماعي حول هذا الأمر مرتبط بطريقة فهم الناس لأسباب السلوك الذي يدفع البعض إلى الانجذاب لنفس جنسه دون الجنس الآخر، فالناس الذين يعتقدون أن المثلية الجنسية غير أخلاقية يميلون بدورهم إلى الاعتقاد بأن الجنس هو خيار شخصي حر أو أنه أمر خاضع للتأثر بالعوامل الاجتماعية المحيطة بالفرد، أما أولئك الذين يدعمون حرية التعبير عن الجنس يميلون إلى الاعتقاد بأن هناك عوامل بيولوجية تؤثر على التوجه الجنسي.

في تعليق للبروفيسور ريتش سافين وليامز أستاذ التنمية البشرية، يقدّم دليلًا أن التوجه الجنسي يتضمن مجموعة واسعة من التصنيفات، بدءًا من الأشخاص المستقيمين في الأغلب والذين يميلون للتوجه الاجتماعي العام وينجذبون إلى شريك عاطفي من الجنس الآخر لكنهم في الوقت نفسه ينجذبون جنسيًا ولو بدرجة صغيرة للأشخاص من نفس جنسهم، ووصولًا إلى أولئك الذين يكونون منجذبين بالكامل لشركاء جنسيين من نفس جنسهم، دون أن يكون لديهم أدنى قدر من الميل للجنس الآخر، وهو ما يجعل – وفقًا لوليامز- انتشار الأشخاص الذين لديهم ميل جنسي لنفس جنسهم أوسع بكثير مما هو موجود في العديد من الدراسات، وهو ما يجعل نظرة أن الشخص سليم تمامًا أو مثلي الجنسية تمامًا السائدة اجتماعيًا نظرة خاطئة وغير صحيحة بالنسبة للأشخاص الذين لديهم درجات متفاوتة من عوامل الجذب والرومانسية الجنسية لنفس جنسهم وللجنس الآخر.

 

ويظل ما لا تخبرنا به البيانات المكونة للدراسات والنتائج العلمية نهائيًا هو لماذا يوجد لدى الناس توجهات جنسية مختلفة. وإن كانت هناك أدلة على وجود عوامل مساهمة متعددة، بعضها لا نقف عليه كاملا بعد.

 

فهناك بعض النظريات التي تقدم اقتراحًا يتفق بدرجة ما مع النظرة الاجتماعية السائدة بأن التوجه الجنسي هو نتاج لعوامل بيولوجية واجتماعية، وذلك بدرجات متفاوتة وفقًأ لاختلاف الشخصيات، لكن هذا الأمر لا يتجاوز كونه اقتراحًا نظريًا ولا يصل لأن يصبح نتيجة علمية مؤكدة.

 

فعلى سبيل المثال، هناك مؤشرات على أن الرجال المثليين كان في خلفيتهم الأسرية ما ساهم بدرجة كبيرة  في تحديد هوياتهم الجنسية، فالرجال الذين لديهم إخوة ذكور يكبرونهم سنًا هم أكثر عرضة لأن يصبحوا مثليين جنسيا مقارنة بالأبناء والرجال الذين ولدوا ليجدوا أنفسهم أصغر من أخوات من الإناث. كما أن الأشخاص الذين تعرضوا لانتهاكات جنسية في صغرهم أكثر عرضة لتشوش هويتهم الجنسية مع تقادم العمر.  .

 

ولا يقتصر السبب في ذلك على شكل التربية والخلفية الأسرية فقط، بل إن الأمر يمتد ليشمل –بحسب دراسات أخرى-  هرمونات ما قبل الولادة التي يُقترح أنها تؤثر بدرجة ما على التوجه الجنسي للأولاد. كذلك فهناك أدلة واضحة على أن هناك ملامح جينية محددة تسهم في التوجه الجنسي، ولكن من المحتمل أنها تتفاعل مع عوامل بيئية واجتماعية أخرى، والقاسم هاهنا أنه لدينا الكثير مما لا نفهمه بعد حول كيفية تطوير الأفراد لهوياتهم الجنسية وتوجههم الجنسي، ولكن من الواضح تمامًا أن هناك مجموعة كبيرة من العوامل البيولوجية والاجتماعية التي تلعب دورًا في تحديد الهوية الجنسية لكل شخص سواء أعترفت البيئات الاجتماعية المختلفة بهذا وقبلته أو لم تعترف وأنكرته.

 

وعليه، فإن المسألة لا تزال محل جدل علمي موسع، ولا تكاد تكون محسومة بالكامل من الوجهة العلمية، كما أن هناك درجات من المثلية الجنسية ما يجعل وضعها في سلة بحث واحدة أمرا غير دقيق علميا، ناهيك عن الخلط  غير دقيق بينها وبين التحول الجنسي لأسباب نفسية أو عضوية.

ويظل الثابت أن الأفراد الذين يكتشفون في أنفسهم ميلا جنسيا مثليا فإنهم في كثير من الأحيان ما يلجأون لطلب المساعدة النفسية المتخصصة، إما رغبة منهم في التخلص من هذا الميل كلية، بكل ما يترتب عليه من تعقيدات أسرية واجتماعية، أو أنهم – على مستوى آخر- يتقبلون الأمر لكنهم يشعرون بضغوط نفسية كبيرة يعجزون عن التعامل معها دون مساعدة. فمن بين أكثر الاضطرابات النفسية الشائعة في أوساط المثليين جنسيا نجد القلق النفسي المزمن والاكتئاب بدرجاته.

 

 

كتبته لشيزلونج: نيرة الشريف

 

أترك تعليق