برنامج “ميس اندرستاند”.. خداع البراءة من أجل الضحك

عام
كتبت بواسطة Shezlong

من 7 سنين تقريبًا كانت أول مرة يتم فيها عرض البرنامج الأمريكي الشهيرJimmy Kimmel live  فقرة “Lie detective” اللي فيها بيستضيف مقدم البرنامج “جيمي” أطفال بالإتفاق مع أهلهم، وبيلعب دور ظابط بيستجوب الأطفال وهما على جهاز كشف الكذب المزيف اللي بيتحكم فيه المذيع، والطفل بيكون مخدوع تمامًا ومقتنع إنه في اختبار كذب حقيقي وإنه مضطر يقول الحقيقة، وده مطابق لواحدة من فقرات برنامج “ميس اندرستاند” اللي بتقدمه الممثلة شيماء سيف، واللي حقق نسب مشاهدة عالية بداية من عرض الحلقة الأولى، وانتشار مقاطع من الحلقة للطفل “آدم” بطل الحلقة أو ضحية المقلب!

صور آدم مصحوبة بردود أفعاله البريئة في الحلقة وهو مصدق تمامًا مقدمة البرنامج و”شارب المقلب” انتشرت على مواقع التواصل الإجتماعي وبقت مادة خصبة للتعليقات الضاحكة والبوستات الكوميدية، والحقيقة إن رد فعل الجمهور من البرنامج مش مفاجئ خصوصًا إن في الفترة الأخيرة انتشر على مواقع التواصل أكتر من فيديو لمقالب في الأطفال ولاقت قبول وانتشار بين الناس وشافوا فيها مادة مضحكة جدًا تستحق التداول بينهم، زي مقلب الإخفاء اللي بيتم فيه إقناع الطفل إنه اختفى ومحدش من أهله شايفه لحد ما بينهار، ومقلب إقناع الطفل إن أهله أكلوا كل حلويات العيد بتاعته، فهل وضع الطفل في مقلب علشان نضحك يعتبر تعدي على حقوقه!

“المقالب بشكل عام مانقدرش نقول عليها تعدي على حقوق الطفل طالما إن المسألة مؤقتة وفي قالب كوميدي، لكن لو المقالب في الطفل بتحصل بشكل متكرر، أو ممكن تسبب له أذى جسدي فده يعتبر تعدي على حقوقه” صرح د. محمد الشامي استشاري الأمراض النفسية ومؤسس قسم الطب النفسي بمستشفى سرطان الأطفال 57357 والمدير الطبي لموقع شيزلونج لما سألناه عن رأيه في المقالب في الأطفال وتأثيرها على نفسيتهم، وأضاف “المقالب بتؤثر على نفسية الطفل ولكن التأثير بيكون حسب تكرار المقالب، بمعنى إن المقالب دي لو متكررة بشكل يومي فأكيد ده بيخلي الطفل خايف أغلب الوقت، لكن لو بيحصل مرة أو اتنين منقدرش نقول إنه ممكن يسبب تأثير مزمن على نفسية الطفل، ولكن ممكن يؤثر بشكل مؤقت لحد ما المقلب بيخلص بعدين بيرجع لهدوئه وإحساسه بالأمان”.

 

ووفقًا لدكتور محمد الشامي فالتأثير المؤقت للمقلب على الطفل  بيختلف حسب طبيعة الطفل وبيتوقف كمان على طبيعة المقلب، واد ايه هو بيحاول يخدع الطفل ويستغل قلة خبرته علشان شوية ضحك، وإن فيه مقالب بتكون فجة فبتكون مؤثرة بشكل سلبي على الطفل، واجمالًا التأثير بيتمثل في الخوف وعدم الإحساس بالأمان خصوصًا لو المقلب معتمد علىى التخويف علشان الناس تضحك، وكلام د. الشامي بيتفق مع  تصريح للبروفيسور مارك بارنيت ، منسق برنامج الدراسات العليا في قسم العلوم النفسية بجامعة ولاية كانساس في صحيفة ديلي ميل البريطانية بيقول فيه “إن المقالب في أطفالك مش دايمًا حاجة مرحة مضحكة، ولكنه شئ قاسي وممكن يكون مدمر”.

دراسة اتعملت سنة 1971 لباحث اسمه McGhee توصلت إن استيعاب العقل للفكاهة بيختلف حسب تطور المخ  واكتساب المهارات الحياتية، وده معناه إن عقلنا كأشخاص كبار ناضجين بيستقبل الهزار بشكل مختلف عن اللي بيستقبله الطفل، اللي كل ما صغر سنه كل ما كان مش فاهم يعني ايه هزار أو مقلب أصلًا!

د. فيونا مارتين، عالمة نفس الطفل من مركز سيدني لعلم نفس الطفل، في تصريح ليها في موقع news.com.au عن برامج المقالب في الأطفال قالت”إن أي شيء يخلق الضيق عند الطفل لا يمكن يكون شئ كويس ليهم ومفيد، خاصة لما مايكونش ده ضروري”، وده بيتفق مع رأي دكتور محمد الشامي في برنامج “ميس اندرستاند” اللي كان شايفه إنه مسألة خداع للأطفال واستغلال قلة خبرتهم، لكن هل الهدف من الاستغلال والخداع ده هل هو لمجرد الضحك، ولا لتعريضه لموقف بيعلمه مهارة بشكل ما!

 

وضع الطفل على جهاز كشف كدب مزيف في رأي د.  محمد الشامي تجربة نفسية مخيفة إلى حد ما لكن مش صعبة لدرجة الرفض، بالعكس دي فيها جانب إيجايي، إنها بتعلم الطفل إنه ممكن يكون في وقت من الأوقات مكشوف في الكلام والأفعال ومحتاج يكون صريح أو صادق، لكن المشكلة مش في كده، المشكلة في طبيعة الأسئلة الموجهة للطفل اللي بمشاهدة مقطع أو اتنين من البرنامج بنكتشف إنهم مش مناسبين تمامًا، وكانت دي تعليقاته على الأسئلة:

 

“سؤال زي سؤال الطفل بيكره المدرسين وزمايله على الملأ في برنامج تليفزيوني، هو صحيح مش بيضر الطفل بشكل مباشر، لكن بيضر علاقاته الاجتماعية، وبيأثر بشكل بالغ على دايرة علاقاته الصغيرة اللي لسه بتبدأ، وفي لحظة براءة واعتراف من الطفل اللي ممكن يكون مش مدرك طبيعة وجوده في برنامج،  والفرق بين الكلام في السر والكلام في العلن ممكن يزعل كتير من اللي حوليه”.

 

“سؤال كمان زي سؤال الطفل عن مدى إعجابه بزميل له من الجنس الآخر هو سؤال سئ المدلول وملوش أي هدف غير الضحك بمفاهيم الكبار،  وغير مناسب لسن الطفل تمامًا، وبيفتح عين الطفل على حاجات مش مفروض يفكر فيها أو يحس بيها في السن ده خالص، لإن المفترض إن مفهوم الإعجاب لسه ما تشكلش في ذهن الطفل في السن ده، إلا لو كان الطفل قاعد طول الوقت قدام التليفزيون من غير رقابة أهله”.

 

“كمان من غير اللائق سؤال الطفل إذا كان بيتبول في البحر أو حمام السباحة،  ده سؤال سئ جدًا ومش مكانه التليفزيون وبيدل على مستوى متدني هدفه إحراج الطفل، وده من الموضوعات اللي مرفوض تدخل ضمن السياق الكوميدي لإن الطفل ما زال في مرحلة الخجل من اجابة السؤال ومضطر يجاوب عليه لانه معتقد إن كذبه مكشوف، أما عن سؤال الطفل عن التخن والشكل وهل مقدمة البرنامج جميلة أو لا، فمش المفروض إن شخص كبير  يسأل سؤال زي ده لطفل صغير، لإنه سؤال سطحي ومش مناسب لسن الطفل وبيحطه تحت ضغط، وفيه جرح كبير للطفولة لإن الهدف منه هو إحراجه والضغط عليه من أجل الضحك فقط ومفيش أي فايدة بتعود عليه”.

مكنتش فقرة كشف الكذب بس اللي عليها انتقادات من د. محمد الشامي، لإنه بمشاهدته لمقطع من فقرة تانية في البرنامج بتستضيف الأب وبنته وبتغازل فيها شيماء سيف مقدمة البرنامج الأب قدام بنته، كان تعليقه إن استخدام ألفاظ غير لائقة ومغازلة الأب قدام بنته ده بيسبب تأثير سلبي جدًا، وبينشر ثقافة إن احنا ممكن نتكلم كلام غير لائق قدام الأطفال عادي، وإنهم يعتادوا على سماع الكلام ده، وده تأثيره سلبي جدًا بيضر بشكل عام مفهوم العلاقات ومفهوم الأدب والاخلاق والجنس عند الطفل، اللي بيتشكل عنده وبيستمر معاه على مدى سنوات حياته، وإن النوع ده من الحوارات أمام الأطفال يعتبر نوع من “البجاحة” وبيخدش الطفولة وبيطلع الأطفال من عالم البراءة وبيدخلهم في عالم غير مناسب ومربك بالنسبة لهم.

 

كمان الفقرات اللي بتتضمن تخيير الطفل بين اختيارين علق عليها د. الشامي بإنه من المفيد نخلي الطفل يختار ويتحمل نتيجة اختياره أيا كانت صح أو غلط، لإن من الصحي إن الطفل يكون عنده حرية قراراه، ولو كان اختياره خطأ بنعرفه ليه كان خطأ علشان يتعلم، لكن اللي مش صح هو السخرية من قراراته لو طلعت غلط، وده اللي كانت بتعمله مقدمة البرنامج أحيانًا.

 

“وأعطي نصف عمري للذي يجعل طفلًا باكيًا يضحك، وأعطي نصفه الثاني لأحمي زهرة خضراء أن تهلك” غنت المطربة الفلسطينية الراحلة ريم بنا عام 1993، واصفة أغنيتها بأنها “تغني للحياة”، اللي لخصت نصها في ضحكة طفل يستحق توهب لها نص عمرها، لكن الاتجاه العام حاليًا ماشي في عكس الاتجاه ده، فالمهم هو ضحك الكبار حتى ولو على حساب طفل.

 

إيمان السيد

كاتبة صحفية ومهتمة بالشأن النفسي

أترك تعليق