من داخل رؤوس القتلة

عام
فريق شيزلونج
كتبت بواسطة فريق شيزلونج

الإنسان يمكن أن يمارس القتل العمد بأريحية تامة إن أسقط عن خصمه صفته الإنسانية؛ حينها يكون مبدأه عدوي هو مخلوق أدنى، ليس إنسانًا كامل الأهلية، إذًا لا ضير” ديفيد سميث في كتابه أقل من الإنسان.

الموت، الحقيقة اللي بيخاف الإنسان مواجهتها، هو عارف كويس إنه مش هايعرف يهرب منها فبيتمنى على الأقل بُعدها،  وعلشان كده من وجهة نظر فرويد فجرايم القتل من أكتر الجرايم المفزعة لإنها بتصارع رغبة الإنسان في البقاء وبتخليه مضطر يواجه الموت، ودلوقتي بقينا مضطرين نواجه الموت كل يوم، بسبب أخبار جرايم القتل اللي انتشرت، والأشد قسوة إننا  بنواجه معاه حقايق تانية زي الخيانة والغدر وانعدام الرحمة خصوصًا لما بنعرف تفاصيل الجرايم اللي بتحصل مؤخرًا وطبيعة علاقة القاتل بالضحية.

بوست على جروب على موقع “فيسبوك” مكتوب فيه ” ادعوا لجارتي لإنها ماتت متقطعة وعندها طفلة رضيعة” ويتبع البوست مئات التعليقات تدعو للفقيدة بالرحمة، وبيمر البوست مرور الكرام كإنه حدث عادي أن تموت سيدة “متقطعة” ، إلا قلائل بيسألوا متقطعة ازاي، وغيرها بتفسر الموقف بإنه أكيد تجارة أعضاء، وكإن تجارة الأعضاء بقت اعتيادية زي تجارة الخضروات!

سيدة تصرخ، مجموعة من الرجال ملتفين حول شخص ما  بيضربوه على الشاطئ، لون موجات البحر بقى بلون الدم، الراجل اتقتل لإنه اعترض على التحرش بزوجته!  فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يسجل كل ده، أب قتل طفليه رميًا في الترعة، بعدين يدّعى إنهم اتخطفوا منه في الملاهي في العيد بعد ما تنتشر صورة سيلفي له مع أطفاله قبل قتله بساعات أو بدقايق، وطالبة في جامعة مرموقة بتقتل خطيبها وتدفنه تحت أرضية المطبخ بمساعدة والدها! كل ده حصل في مصر خلال أسبوع واحد من ضمنه أيام العيد!

دراسة حديثة أعدها مركز بحوث الشرطة تحت عنوان “التداعيات الأمنية للنمو السكانى”، مفداها إن الزيادة السكانية هي  سبب ارتفاع نسبة جرائم القتل العمد بنسبة 130%،  والسرقة بالإكراه زادت بنسبة 350% وفقًا لخبراء أمنيين، وفي دراسة بعنوان «الدوافع الاجتماعية والاقتصادية لجرائم القتل في الأسرة المصرية»، للدكتورة حنان سالم، أستاذ علم الاجتماع الجنائي جامعة عين شمس، توصلت إلى إن 65% من جرايم المجتمع المصري جرايم داخل الأسرة الواحدة.

خبراء الأمن والاجتماع والدين اتكلموا كتير عن أسباب الظاهرة  دي ما بين بطالة وسوء أحوال اقتصادية، غياب الوازع الديني، ودور الإعلام، في محاولة للإجابة عن سؤال “حصل ايه للمصريين” فاحنا مش هندور على الأسباب هنا، لكن احنا هنحاول نجاوب على سؤال تاني مثار بين الناس، هو القاتل ده بيفكر ازاي!بيحس بإيه! ايه الدوافع اللي تخلي شخص يقتل!

كونراد لورينز في كتابه “حول العدوانية”  بيقول إن الحيوانات من نفس النوع ما بتتقاتلش لحد الموت، مثلًا  الغزال لما بينطح غزال تاني بقرنه ما بيضربش ضربات قاتلة في الجسد،  أما أسماك البيرانا لما تتقاتل مع بعضها فهي بتضرب من الذيل ولما تقاتل أسماك من نوع تاني بتعض بأسنانها لحد الموت، ولإن الإنسان بيشبه الحيوان في الغريزة دي، فعلشان يقتل بيجرد الضحية من صفتها الإنسانية، بيفكر إنه إنسان أدنى، فيقدر يرميه من البلكونة أو يدوس على البلاط فوق جثته أو حتى ينسى إنه ابنه!

“بيتر آش” مدير قسم الطب النفسي والقانون في جامعة إيموري في جورجيا، بيحاول يشرح سيكولوجية القتل فبيقول إن الجريمة بتبدأ بشوية تفكير سلبي  بيؤدي لتخيله إنه بيقتل الضحية، وبعدين التخيل ده بيتحول لنية وبيبدأ في التفكير في خطة، وبيبدأ في تنفيذ جريمته، “لايل روسيتر” الطبيب النفسي الشرعي في سانت تشارلز بولاية إلينوي بيشرح لنا الموضوع أكتر وبيقول إن تجهيز القاتل عن عمد لنفسه نفسيًا  لارتكاب جريمته يستغرق عادة ما لا يقل عن بضعة أيام ، وفي حالات استثنائية ممكن لشخص يعاني من اضطراب ثنائي القطب إنه يقرر القتل خلال ساعات بس!

لكن على رغم التخطيط ده الخبراء وجدوا إن القاتل في كتير من الأحيان ما بيقدرش يفتكر لحظة الهجوم، وده لإن مشاعرهم بتبقى مشتتة ومنقسمة لحظة التنفيذ، ووفقًا للمختص في علم الأحياء العصبية يواخيم باور فالانقسام ده بيكون سببه إن العقل البشري  يحتوي نظام خلايا عصبية مرآتية وظيفتها تشبه المرايا بتعكس المشاعر وبتخلينا نقدر نحس بألم الأشخاص الآخرين ونحس بالذنب لما يتعرضوا للأذى، وده اللي بيخليهم مش فاكرين اوي لحظة الانقضاض.

الدوافع للقتل كتيرة جدًا وما نقدرش نجاوب ليه الإنسان بيقتل لإن كل جريمة فريدة بحد ذاتها، لكن كتير من الدوافع بتشترك في إنها الرغبة في البقاء، الشخص اللي بيمثل له مصدر إزعاج وقلق وخطر بيتخلص منه،  وممكن يكون الشخص اللي بيهدد راحته ده فرد من العيلة بداية من قابيل وهابيل مرورًا بكل الأسر الملكية اللي بيقتل فيها الملك أشقاءه من الذكور.

بس مش كل البشر بالطبع عندهم القدرة دي، ففي دراسة حديثة وجدوا إن 50% من الجنود الأمريكان في الحرب العالمية بس هما اللي كانوا بيوافقوا يستخدموا أسلحتهم في قتل العدو، صحيح دلوقتي النسبة ارتفعت ل 92% نتيجة للتدريبات الحديثة، لكن العلماء اختلفوا في العوامل اللي ممكن تخلي شخص يقدر يتغلب على فطرته ومنظومة عقله ويقتل، وإنسان لأ!

بداية من نظرية الرجل المجرم لسيزار لمبروزو اللي بترجع القتل لمجموعة من الصفات الشكلية اللي بيتولد بيها الشخص بتكون علامة على إجرامه وتشبيهه للمجرم بالنمط البدائي المتوحّش شكلًا، واعتباره إن الإجرام بالوراثة منذ الولادة، لكن نظريته واجهت نقد ورفض كبير، واتجهت معظم النظريات إن المجرم بيتشكل نتيجة البيئة المحيطة ليه في طفولته زي محيط عائلي قاس و مفكّك، عنف الوالدين والتعرّض لصدمات نفسيّة،  والدراسة الأغرب كانت الدراسة اللي أجراها الباحثون في جامعة أوهايو واللي ربطت بين ارتفاع درجة حرارة الطقس وبين ارتفاع نسبة العنف ومعدل الجريمة.

كل دي تفسيرات علمية بتفسر ليه الإنسان ممكن يتحول لقاتل غير التفسير الشائع حاليًا بين الناس بإن القاتل بالضرورة بيعاني من اضطراب نفسي لاعتقاد العامة بإن المرضى النفسيين هم الأخطر والأكتر عنف في المجتمع، وده مش حقيقي وفقًا للدراسات النفسية فالعنف نشاط إجرامي ما بيرتبطش اوي بصحة الشخص العقلية، ومعظم الناس اللي  بيعانوا من اضطراب عقلي ليسوا عنيفين، فمش لازم اللي بيحصل في المجتمع حاليًا من جرايم يكون سبب في إن كتير من المرضى النفسيين يخافوا يعترفوا بمرضهم علشان محدش يعتبرهم قتلة.

إذا كنت تعاني من اضطراب نفسي ولا تجد من ينصت لك أو يقدم لك يد العون، فلا تتردد في التواصل مع فريق أطباء شيزلونجليكون رفيقك في رحلة التعافي النفسي.

كتبته لشيزلونج: إيمان السيد

كاتبة صحفية وباحثة مهتمة بالشأن النفسي

المصادر:

https://psychcentral.com/archives/violence.htm

https://psychcentral.com/news/2016/06/25/why-is-hot-weather-linked-to-more-violent-crime/105329.html

http://edition.cnn.com/2009/HEALTH/05/26/snap.moments/index.html

https://www.psychologytoday.com/us/blog/compassion-matters/201504/the-making-murderer

https://www.nytimes.com/2012/12/18/opinion/what-drives-suicidal-mass-killers.html

https://m.dw.com/ar-ae/%D9%86%D8%B4%D9%88%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%AA%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%81%D8%B3%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%85%D9%8A-%D9%84%D8%AA%D9%84%D8%B0%D8%B0-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A7%D8%AD%D9%8A%D9%86-%D8%A8%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%85%D9%87%D9%85/a-18248048?xtref=https%253A%252F%252Fwww.google.com%252F

https://muhtwa.net/topic-8/%D9%83%D9%8A%D9%81-%D9%8A%D9%82%D8%B1%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%AA%D9%84%D8%9F/main

https://www.nytimes.com/2010/01/10/weekinreview/10kershaw.html

أترك تعليق