الأسرة والطفل وصناعة المدمن

عام
فريق شيزلونج
كتبت بواسطة فريق شيزلونج

لا يظهر الإدمان بين عشية وضحاها، بل إنه حالة ذات تاريخ شأنه شأن الاضطرابات النفسية الأخرى.

وتتعدد صور الإدمان، كإدمان الكحوليات، العمل، الأفلام الإباحية، العلاقات الجنسية، الألعاب الإلكترونية…، لكن يظل إدمان المواد المخدرة هو الأكثر شيوعا وشهرة، ويعتقد البعض أن أثر المادة المخدرة كمادة كيميائية تدخل على منظومة العقل والجسد هو العامل الوحيد الذي يخلق اعتماد المريض على المخدر واحتياجه المستمر لتعاطيه، لكن العامل الذي لا يمكن إغفاله هو حاجة المريض لتخدير ألم نفسي أكبر من قدرته على احتماله وعلى التعامل معه كذلك دون مخدر.

يمكننا أن نشبه المدمن بطفل لم يحصل على احتياجاته النفسية بشكل كافى، أو حصل عليها بوفرة حتى أصبح لا يتحمل فقدانها، وفى كلتا الحالتين لم تراع الأسرة التوازن في نمط تربية هذا الطفل، فمنها أسر كان النمط الشائع داخلها هو الحرمان، ومنها أسر كان نمطها الوفرة والتسيب.

ولأن لكل عائلة ثقافة عامة يسيرعليها كل أفرادها، قسمت بعض الأبحاث أنواع الأسر إلى أربعة أنماط، ثلاثة منهم يكون لدى الطفل استعداد أكبر للإدمان بشكل عام، وإدمان المخدرات والكحوليات بشكل خاص.

الأسرة المتسيبة Permissive Family

وهي أسرة غير متطلبة، تسعى فقط للاستجابة لطلبات ورغبات طفلها، وتتساهل مع الأخطاء دون حساب بحيث لا يوجد قواعد ثابتة داخل هذا الأسرة. ويؤدي هذا التسيب إلى عدم انضباط الطفل وفقدان القدرة على تحمل المسؤوليات، كما تميل إلى رشوة الطفل بمكافآت كبيرة حتى في حال ارتكاب مخالفات تستدعي تنظيم سلوكه، فيشعر الطفل أنه حر دون قيود أو ضبط سلوكي، ورغم حب الطفل لهذا النمط، فإنه يرى نفسه دون قيمة وغير ذي كفاءة. والمراهقون فى تلك الأسرة هم الأكثر عرضة لاستخدام المخدرات والكحوليات.

أثر هذا النمط على الطفل:

  • انعدام الأمان لشعور الطفل بانعدام  الكفاءة
  • أنانية
  • ضعف المهارات الاجتماعية “مثل المشاركة، إدارة المشاعر”
  • صورة ذات مشوهة يطغى عليها الفشل

الأسرة المتسلطة Authoritarian Family

وهي على النقيض تماما من النمط السابق، تعتمد على أسلوب استبدادى فى التربية وتضع القواعد الصارمة، والخروج عن الإطار التى تضعه يؤدى بالطفل إلى العقاب الشديد، فلا يجد الطفل الاهتمام والرعاية الوجدانية التي يحتاجها. فكل شئ بنظام وبحدود ودون تقديم التفسيرات، فيشعر الطفل أن الحب يقدم له على قدر طاعته وغير ذلك فهو غير جدير بحب عائلته، لذلك يشعر هذا الطفل بالخوف الشديد، ويتجنب المواجهات التى تتطلب منه المطالبة بحقوقه.

أثر هذا النمط على الطفل:

  • انعدام الثقة بالنفس
  • صورة ذات مشوهة يطغى عليها عدم القبول
  • شعور بالدونية

الأسرة المتجاهلة Neglectful Family

ويعتبر هذا النمط هو الأخطر على الطفل، فلا هى تعطى ولا هى تطلب، وحضورها فى حياة الطفل أكثر ضرراً من غيابها، فالإهمال الذي يتعرض له الطفل يجعله عرضة لكل الأمراض النفسية وليس الإدمان فقط، ويصدر من الطفل فى تلك الحالة نوعان من السلوك، السلوك التجنبى الذي نجد فيه الطفل انطوائيا يتجنب الظهور أو الحديث، أو السلوك العدوانى الذي يكون بمثابة محاولة تكيف مع شعوره بالغضب تجاه عائلته، وأحيانا يتقلب بين السلوكين، فالحرمان العاطفى والألم النفسي هما المحركان الأساسيان في حياة هذا الطفل.

أثر هذا النمط على الطفل:

  • فشل متكرر في العلاقات
  • صورة ذات مشوهة يطغى عليها الشعور بالفشل وعدم القبول
  • خوف اجتماعي
  • ضعف مهارات اتخاذ القرار والتواصل وتأكيد الحقوق

ويعتبر هذا النمط من الأسر هو الأكثر تأثيرا على الطفل بشكل سلبي، وذلك لأنها تحرم الطفل من أهم احتياج نفسي وهو “الأمان”،كما تخلق الاستعداد القوي للإدمان بكل أنواعه، وذلك لأنه يحاول تقليل الألم النفسى بأسرع مسكن يجده، فيعتبر الإدمان فى تلك الحالة هو الملاذ الوحيد أمامه، كما يجد بعض المراهقين فى مجتمع إدمان المخدرات بعض القيم المؤقته التى يفتقدونها فى أسرهم، كالاهتمام والشعور بالقيمة والانتماء.

الأسرة الحازمة Authoritative Family

وهي الأسر الأكثر فاعلية في خلق بيئة صحية لطفلها، وتقوم بتعزيز العلاقات داخل نطاق الأسرة بشكل يسمح للطفل بالتعبير عن نفسه بطريقة سليمة. كما تضع قواعد مرنة لطفلها دون تسيب أو تسلط. فتفتح خط اتصال صحي ومفتوح يجعل الطفل يشعر بأنه يستطيع التحدث دون مخاوف من العواقب والأحكام.

وهذا النمط يتبع سياسة الوسطية فى كل شئ، فالأسرة تعطى الاهتمام والرعاية ولكن تطالب الطفل بتحمل عواقب سلوكه، فنجدها تعطى الحب غير المشروط مع الحزم بالعقاب والثواب، وهكذا يكون لدى الطفل رؤية واضحة عن نفسه.

وأثر هذا النمط على الطفل يكون واضحا على المدى القصير والبعيد، فتكون لديه شخصية قوية قادرة على اتخاذ القرارات، والتمييز بين الخطأ والصواب، دون أن تقوده المشاعر المتخبطة والمؤلمة لإيذاء نفسه.

وأخيرا، فالإدمان هو رحلة البحث عن قيمة الذات المفقودة، فحين يفقد الفرد شعوره بأهمية وجوده، وأحقيته فى الحصول على الحب والاهتمام دون شروط، وإيمانه بقدرته وكفاءته، سيبحث عن المسكنات الأقرب والأسرع لتسكين آلامه النفسية، ولكن سيبقى أمامه الاختيار، إما مواجهة هذا الألم وعلاجه، أو تسكينه والهروب منه دون رجعة.

 

كتبته لشيزلونج: ريم سعيد

 

أترك تعليق