Blog Post

التسويف، قسوة الخيال وعدم الثقة بالنفس: بعض سمات القلق النفسي

نشر بواسطة

ShezlongAdmin

المشاركة الى:

يعتبر القلق النفسي  رد فعل طبيعي للمواقف العصيبة، ولكن في بعض الحالات يخرج عن كونه رد فعل طبيعي ليصبح قلقًا مفرطًا ويمكن أن يسبب المعاناة ويزيد من شراسة المخاوف اليومية التي تسيطر على الفكر والشعور، هذا القلق لا يقف عند حد معين ولكنه قلق مطرد ومستمر، ربما يتطور الأمر إلى نوبات حادة من القلق تحدث كاستجابة لمحفزات محددة، أو ربما تشمل اضطرابات أخرى مرتبطة بالقلق كنوبات الذعر، واضطراب الوسواس القهري الذي يتسم بأفكار تدخلية دائمة أو قهرية لتنفيذ سلوكيات محددة مثل غسل اليدين باستمرار بدافع قهري لا يمكن السيطرة عليه.

يُعتقد أن القلق هو التوأم الملازم للإكتئاب، فلا ينفصل أحدهما عن الآخر، فحدوث الثاني يستلزم وجود الأول، ووجود الأول يستحضر بالتبعية الثاني، فبشكل عام ينشأ القلق أولًا، وغالبًا ما تأتي نشأته خلال مرحلة الطفولة، وتشير الأدلة إلى أن وجود القلق مرتبط بدرجة كبيرة بالعوامل الوراثية والبيئية التي تساعد على تدعيم وجود هذا الاضطراب.

وبالرغم من أن بعض الناس قد يكون لديهم استعداد وراثي للقلق، إلا إن هذا لا يعني بالضرورة تطور هذا الاضطراب لديهم، حيث أن التجارب المؤلمة المبكرة عليها الدور الأكبر في دعم هذا الاضطراب، فهذه التجارب المؤلمة تؤدي إلى إعادة معالجة النظام الطبيعي للجسم في التعامل مع المخاوف الطبيعية برد فعل طبيعي من القلق منطقي الدرجة إلى خلل قوي في تفاعل الجسم مع الإجهاد، فيصبح الجسم شديد التفاعل مع الإجهاد وشديد الخضوع لوطأة المحفزات التي تؤدي به إلى الإصابة بالقلق.

وبخلاف التجارب المؤلمة المبكرة فهناك أيضًا عامل آخر يمكن أن يؤدي إلى القلق النفسي الزائد عن الحد، وهو المخاوف المبالغ فيها والتوقعات الفائقة التي لا تتحقق ولا تتناسب مع الواقع يمكن أن تؤدي إلى نتائج سلبية أو تضفي أعراض جسدية مرضية مثل التوتر العضلي، والصداع، وتشنجات في المعدة، والتبول المتكرر، وهي الأعراض التي يمكن أن تحد منها العلاجات السلوكية سواء كان هذا بالإضافة إلى تعاطي دواء محدد أو عدم تعاطيه، فربما تكون العلاجات السلوكية وحدها كفيلة بحل الأزمة خاصة عند الأطفال.

وكان القلق يعتبر مفهومًا فلسفيًا قبل تناوله في علم النفس والطب النفسي، يقول الفيلسوف الدنماركي كيركغارد (1813-1855) إن القلق جزء من الطبيعة البشرية، وينشأ القلق حينما تتلامس الأحلام مع الواقع فينشأ القلق الناتج عن سؤال ما الذي سيتحقق من الأحلام وما الذي لن يتحقق، كما ينشأ القلق نتيجة للتفكير في المستقبل، وما الذي سيحدث في الغد القريب أو البعيد، فالقلق هو نتاج حرية الاختيار  لدى الفرد والتحركات التي يقوم بها في هذا العالم، وهو ما يتحدد بها هوية الفرد وموقفه من البيئة التي يعيش فيها أو الآخرين المحيطين به، وهو ما ينتج عنها الاحساس بالمسؤولية الدائمة الناجمة عن التساؤل المستمر “هل ما أقوم به هو الخطأ أو الصواب؟!” وكل هذا يجلب بدوره القلق بدرجاته الطبيعية والمرضية.

وفي الدرجات المرضية للقلق نجد سلوك  المصاب بهذا الاضطراب يتسم ببعض الملامح، منها:

  • التكاسل والتقاعس، هذا التقاعس في أبسط معانيه يكون متمثلًا في فقدان الحرية، حيث يسيطر العجز التام على تحركات الفرد، ويصبح ما هو بالإمكان تحققه لا يتحقق أبدًا، وقد يفقد المرء الاهتمام بالحاضر والعيش فيه بسبب اهتمامه بمستقبل خيالي يصبح المرء على هذه الحال متجمدًا غير قادر على تلبية احتياجاته الواقعية الحالية وتحقيق أهدافه وتطلعاته.

 

  • يصبح الفرد أقل قدرة على تحديد أولويات الأمور، وكل الأفعال التي يجب عليه القيام بها تكون على نفس القدر من الضخامة وانعدام الأهمية، فدفع فاتورة الكهرباء يتساوى مع ترتيب خزانة الملابس، فالفعلين يصبحان في غاية الضخامة، ويعجز الفرد عن رؤية التبعات المترتبة على كل فعل منهما فلا يرى أن عدم دفعه لفاتورة الكهرباء سيؤدي به إلى الجلوس في الظلام، فكل الأفعال تصبح على درجة واحدة من الإنهاك وانعدام القيمة والأهمية، وهو الأمر الذي يزيد من صعوبة تحديد الأولويات.

 

  • المماطلة والتسويف: ربما ترتبط هذه النقطة بالنقطة السابقة، حيث تصبح كل الأفعال مهما بلغت أهميتها مهيئة للمماطلة والتأجيل والتسويف، ويستطيع الفرد الذي يعاني من القلق المرضي أن يقنع نفسه أنه لا يمكنه البدء الآن وأنه عليه أن ينتهي من أمر ما أو ينجز أمر ما قبل البدء في الفعل الثاني، وهو ما يجعل دومًا الفرد لديه قائمة من المهام المؤجلة التي ينتوي فعلها ولا يقوم منها بشيء

 

  • قسوة الخيال: في حالة الفرد الذي يكون يعاني من القلق المرضي فإنه يكون محكوم بكلمة “لو فقط”، وهذا يعني أنه يقضي الكثير من الوقت في التخيل، ثم يعطي وزنًا لما هو ليس قائم بالفعل، وهنا يكون أي فعل من الممكن أن يقوم به الفرد مرتبطًا بمجموعة من التخيلات الافتراضية تجعله لا يقوم بالفعل أبدًا لأن التخيلات التي يفترضها لا تحقق بدورها.

 

  • عدم الثقة بالنفس: الفرد الذي يعاني من القلق المرضي لا يثق بنفسه، ويكون دومًا خائفًا من إتخاذ أي قرار لأنه لا يثق في قدرته على إتخاذ القرارات، وإذا حدث وتوصل إلى قرار فإنه يكون دائم الشعور بأنه ربما سيكون على خطأ فقط لأنه هو من قام باتخاذه، وهو ما يجعل كل شيء بالنسبة للشخص القلق لا يسير على ما يرام أو يظهر بمظهر سيء يكون ذلك دليلًا عمليًا على عجزه على اتخاذ القرارات وتأكيدًا للصورة التي يحتفظ بها عن نفسه، ولتجنب إتخاذ القرارات السيئة فإن الشخص القلق يسعى إلى عدم اتخاذ أي قرار من الأساس.

 

كتبته لشيزلونج: نيرة الشريف

كاتبة صحفية مهتمة بالشأن النفسي 

اجعل الحياة أفضل: انشر هذا المقال على

اترك تعليقاً

Required fields are marked

اشترك في نشرة الأخبار ليصلك أفضل المقالات لدينا: