العلاقات العاطفية لا تغني عن طلب العلاج النفسي

عام
فريق شيزلونج
كتبت بواسطة فريق شيزلونج

 

” علاقة صحية واحدة  تشفي “!

غدونا مؤخرا نمر كثيرا على هذه العبارة التي يظن مروجوها أنها الحل السحري لاضطرابات الشخصية والاضطربات النفسية التي انتشرت بصورة منذرة في المجتمع المصري بكل ما فيه من ضغوط وتحديات حقيقة ألقت بظلالها على حالة الصحة النفسية والعقلية للمصريين، وهو ما لايختلف فيه كثيرا المجتمع المصري عن مجتمعات المنطقة العربية بصفة عامة مع ما اعتراها من تغيرات سياسية واقتصادية مؤخرا، ناهيك عن الانخفاض النسبي في درجة الوعي.

وبحسب دراسات أولية، فإنه يعتقد أن بعض الاضطرابات النفسية (كالقلق والميل للعزلة) تزيد حدة  بين المراهقين والشباب مع تأثير السوشيال ميديا، كما يمكن أن نقول إنها أيضا كانت عاملا مساعدا في إبراز تلك الاضطرابات النفسية التي لم تكن لتظهر لولا إتاحة المجال للأشخاص العاديين كي يعبروا عن مشاعرهم وأفكارهم بدرجة أكبر من الحرية.

والملاحظ أن الكثير من الشباب مؤخرا قد غدوا يعرفون نوعية الاضطراب النفسي الذي يمر الواحد منهم به ويهتمون بالبحث عن أعراض تلك الاضطارابات عبر محركات البحث كما يبحثون عن طرق علاجها (حتى إن عبارة “علاج الإدمان بالمنزل” مثلا قد أصبحت واحدة من أكثر العبارات المبحوثة على الإنترنت).

ولكن لأنه ليست كل المادة المتاحة علي محركات البحث موثقة علميا لذلك، فإننا نجد أنفسنا أمام حالة من الفوضى تزيد الوضع سوءا بدلا من أن تسهم في تخفيف حدته.

 

علاقات عشوائية مضطربة بدعوى طلب العلاج

ونعود للعبارة  “علاقة صحية واحدة  تشفي” كمثال لفوضى العلاج النفسي غير الاحترافي، لنجد الأمر أصبح شائعا بين الشباب بوصفه أحد تقنيات العلاج الجدلي السلوكي المستخدم في علاج اظطراب “تعدد العلاقات” وغيره من الاضطرابات الوجدانية، والذي  يدعو إلى إقامة علاقة انسانية حقيقية واحدة ينال فيها الشخص القبول والاهتمام والحب غير المشروط . ومن هنا يخرج الشباب للعالم في نهم شديد لإقامة تلك العلاقة المنشودة  فيدخلون بلاضابط في علاقات عشوائية بعد أن يقنعوا من معهم بهذه التقنيه في العلاج، بل إن الأمر قد يصل إلى استغلالهم الطرف الآخر نفسياً وجسدياً بدعوى الاحتياج إلى العلاج النفسي بالحب والقبول غير مشروط.

وقد يصبح الأمر أسوأ إذا لم يلق الشخص الباحث عن هذا النوع من العلاج عبر صفحات التواصل ومنتديات التعارف ما يصبو إليه، فتبدأ موجات من الإحساس بالرفض والإحباط خاصة وأنه على الأرجح لا يحظى بنوعية الحب المنشود من عائلته وشركاء  حياته، فيتعزز إحساسه بالرفض حين يواجهه مرة ثانية في العالم الافتراضي، ويدخل تدريجيا في دوائر القلق والاكتئاب وقد تزداد  دافعيته  نحو وايذاء  الذات أو حتى التخلص من حياته بالكامل.

 

مع القلق والاكتئاب والإحساس بالرفض… العلاقات لا تغني عن طلب العلاج

 

لذلك فإنه من المهم هنا أن نلفت الجميع وبالأخص الشباب إلى أن العلاج النفسي ليس تجارة ولا هواية، بل مسؤولية وممارسة علمية منهجية وعمل احترافي متخصص معقد إذ يشتبك مع الشق الأكثر حساسية في الإنسان وهو النفس التي  كرمنا الله بها وأوصانا أن نصونها ونترفق بها  وألا ندفع بها إلى الهلاك.

لذا فلا بد أن نحفظ  أنفسنا ومن نحب من الأذى والاستغلال والتشوية، وجزء من ذلك الحفظ يكون باللجوء للمتخصصين في هذا المجال و الموثوق بهم وبعلمهم وشهاداتهم في الصحة النفسية، فهم وحدهم الأقدر على استخدام التكنيكات والفنيات الملائمة في مجال العلاج النفسي كما أنهم الأكثر موثوقة في منح الاستشارات الخاصة بإقامة علاقات علاجية متوازنة تساعد الفرد علي النمو والنضوج النفسي بشكل سوي ومقبول ومساعدة المريض علي قبول أخطائه دون مباركتها بما يمنح المجال للمريض لأن يشعر بالقبول الشخصي والتسامح مع ماضية بما فيه من اخفاقات دون أن يسعى لتدمير حياته بالاستمرار فيها.

كذلك فإن الانخراط في علاقة متوازنة مع طبيبك المعالج يمنحك الفرصة  للتطور الشخصي في الاتجاه الإيجابي دون التخبط في علاقات مضطربة قد يكون سمتها الاعتمادية أو الاستغلالية من طرف للآخر، كما أنها لا تضعك في إطار علاقة تكون فها مضطرا أو تضطر فيها الطرف الآخر لقبول سلوكيات غير سوية والتغاضي عنها تحت شعار الحب أو القبول غير المشروط.

الحياة مليئة بالاختبارات والأوجاع وعلينا أن نرفع من مقاومتنا النفسية  كما نقوي عضلاتنا  الجسدية تماما، وذلك بالمشاركة والاستشارة والإقبال على العلقات المتوازنة. لا يجب علينا في حالات القلق أو الاكتئاب أن نترك أنفسنا دون مساعدة وإلا فإننا ننزلق نحو قاع  المرض المظلم، وعلينا كذلك أن نعي أن العلاقات المتوازنة تساعدنا على أن نكون أقرب للصحة النفسية لكنها لا تغني عن طلب العلاج المتخصص.

 

 كتبته لشيزلونج: نجوان ناجي البيومي – أخصائية نفسية وكاتبة

 

أترك تعليق