احنا ليه زهقانين على طول!

عام
كتبت بواسطة إيمان السيد

من حوالي سنة قررنا أنا وزوجي نقضي كام يوم في معسكر في مدينة “نويبع” على البحر
الأحمر، معسكر بسيط وبدائي مفيهوش وسائل ترفيه، مفيش حد فيه بيخدمك، انت بتخدم نفسك،
بتجهز أكلك وشربك، بتغسل هدومك، مفيش تليفزيون، مفيش انترنت، الإقامة في خيمة تنام على
صوت الموج وضوء القمر وتصحى على نور الشمس، علشان تقضي نهار طويل بين البحر
والصيد، والكام يوم دول كانوا من الأيام القليلة في حياتي اللي مكنتش حاسة فيهم بالملل.

كل يوم بعد منتصف الليل، بدخل على الفيسبوك أشوف كنت كاتبة ايه زي النهاردة على مدار
السنين اللي فاتت، وللأسف فأنا أرشيفي “الفيسبوكي”حافل بالبوستات اللي بتُشير لليالي وأيام
من الملل والضجر على مدار سنوات، وعلى اختلاف حالتي الاجتماعية والعملية والمادية، فأنا
دايمًا زهقانة، وفي الغالب كل الحماقات والقرارات الغلط في حياتي خدتها وأنا زهقانة، زي كل
الناس اللي كان الملل محفز ليهم إنهم يعملوا كل اللي يقدروا عليه علشان يتخلصوا من إحساسهم
الممل، علشان كده أنا متفقة تمامًا مع مقولة الفيسلوف الدنماركي “كيركيغارد” بإن الملل أصل
كل الشرور.

قبل القرن ال 18 مكنش مفهوم الملل موجود فعليًا، فالبشر قديمًا كانوا بيقضوا معظم أيامهم في
تأمين الأكل والشرب والمسكن، فمكنش الملل خيار متاح، لكن من تقدم الثورة الصناعية بدأ
مفهوم الملل يظهر بشكل واضح، ويزيد انتشاره مع مرور السنوات، وفي استطلاع نفسي سنة
2007 أثبتت نتائجه إن ما بين 30 ل 90% من البالغين في أمريكا عانوا من الملل في فترة
من فترات حياتهم، وإن الرجالة أكتر عرضة من الستات للملل، وده يمكن يكون له علاقة بإن
الرجالة بتزهق من العلاقات طويلة الأجل أسرع من الستات.

صديقتي الملقبة بفتاة الملل الأزلي، رفيقتي في ليالي السأم والملل اللامتناهية بتزهق من كل
حاجة إلا من تكرار جملة واحدة “أنا زهقانة”، وسؤالها المفضل “من أين يأتي كل ذلك الملل!”،
بجاوبها أنا دايمًا “يأتي من داخلنا”، ومعرفش مدى صحة إجابتي، ولأول مرة حاولت أجاوب
عليها إجابة صحيحة.

– التعامل مع العالم من خلال الشاشات
الموبايل، الايباد، اللابتوب، معظم الوظائف والأعمال اليومية في الوقت الحالي بتتم من خلال
الشاشات دي اللي بنفضل نبص فيها طول ساعات العمل، وحتى وقت فراغنا وترفيهنا بدل ما
نقوم بأنشطة بتشترك فيها أنشطة عصبية مختلفة زي الرياضة، الرسم، الطبخ، التطريز،
علشان ننشط عقلنا ونتخلص من الضغط والتعب، برضو بنفضل ماسكين شاشاتنا علشان تسلينا
وتملى وقتنا، ومع الوقت الطريقة دي في التسلية بقت مكررة بشكل روتيني لدرجة إنها بقت
مصدر ملل بدل ما هي مصدر تسلية، ففعليًا احنا طول اليوم ماسكين في ايدينا الترفيه لكننا
زهقانين!

– زيادة وسائل الترفيه

كل ما كان الترفيه أكتر كل ما زاد الملل! ايوه بالظبط زي ما قريت كده أنا مش كاتبة غلط،
العالم حوالينا بقى كله وسائل ترفيه وتسلية، انترنت، مواقع تواصل اجتماعي، تطبيقات كتير،
موسيقى، ألعاب، أفلام، إلخ.. وسائل بتتطور بسرعة، وبتفرض علينا نواكب تطورها، لدرجة
إنه بقى صعب إرضائنا بمستوى أقل وإصدار أقدم، والرضا شعور ضروري علشان مانحسش
بالملل.

– السعي وراء الإثارة
“انت شخص كثير الهزار، اذهب للسجن حالًا”، كانت دي ضمن أحكام محكمة لعبة بنك الحظ،
وده فيه شبه من اللي أثبتته الدراسات النفسية بإن الشخص المرح المنطلق بيكون عرضة
للشعور بالملل اكتر من غيره، لإن انطلاقه بيخليه دايمًا يدوّر على الأحاسيس الجديدة،
والتجارب المثيرة اللي بتمثل له حافز في الحياة، الأشخاص اللي طبيعتهم بالشكل ده بيحسوا إن
العالم حواليهم ماشي ببطء فبيزهقوا وبيحسوا إنهم عايشين في سجن!

– إدمان الدوبامين
الدوبامين، المادة الكيميائية اللطيفة اللي بتخلينا نحس بالسعادة والنشوة، دماغنا بيفرزها لما
بنجرب حاجة جديدة ممتعة، لكن لما التجربة الجديدة دي بنعتاد عليها بعد فترة الإحساس اللطيف
ده بيروح لإن مفيش دوبامين، وبالتالي بندور على تجربة جديدة تكون مصدر تسلية ومتعة
ودوبامين من جديد.

– التكرار والاعتياد
أي تجربة متوقعة ومكررة بتتحوّل لتجربة مملة، حتى لو كانت في البداية ممتعة ومسلية، افتكر
كام مرة كنت شبطان في حاجة ومتحمس لها بعد كده بقيت زهقان منها ومش متحملها لما
اتحولت رغبتك فيها لعادة، هاتعرف إن التكرار والروتين بيقلل شغفنا واهتمامنا بالحاجة اللي
بنعملها لدرجة إن عقلنا نشاطه بيقل وهو بيأديها، مفيش تحفيز، ولا دافع ولا رغبة، فبنحس إننا
في سجن.

– عدم الوصول إلى مرحلة الانغماس
مش شرط تكون المهام اللي بتأديها مكررة علشان تكون مملة، لكن لو المهمة مش من مستواك
هاتزهق، يعني لو شغلك أو مهامك اليومية سهلة جدًا محتاجة قدرات أقل من قدراتك، مش
هاتكون منغمس فيها تمامًا، فتبقى فعلًا مشغول في حاجة بتعملها لكن في نفس الوقت زهقان،
لإن اللي بتعمله مش على أد مهاراتك وقدراتك، بس خد بالك ما تزودهاش وتدبس نفسك في
مهام صعبة لدرجة تبقى أصعب من قدراتك، لإن ساعاتها آه مش هتكون زهقان بس هاتتسبب
لك في توتر وقلق.

– مشكلات التركيز

واضح إن الملل مرتبط بالتركيز والانتباه، يعني اللي مش قادر يستحوذ على اهتمامنا وانتباهنا
كليًا بيكون ممل بالنسبة لنا، وده بينطبق على المهام، والأشخاص، والأماكن، فالتركيز والانتباه
شرط أساسي للانتباه اللي من غيره بنحس بالملل، وعلشان كده الأشخاص اللي عندهم
اضطراب نقص الانتباه واضطراب فرط الحركة بيكونوا أكتر عرضة للملل من غيرهم وده
وفقًا لورقة بحثية في 2012.

– فقدان الهدف والغاية
لو مش عارف انت عايز ايه، مش عارف تفهم نفسك وتعبر عن اللي بتحس بيه بشكل واضح،
هاتكون عرضة للملل أكتر من غيرك، أما بقى لو مكنتش عارف ايه اللي بيخليك سعيد، فانت
عرضة لملل وجودي أعمق، بيخليك تسأل نفسك اسئلة وجودية، وبيزهقك من العالم والحياة
عمومًا، وطول ما انت مش عارف انت بتدور على ايه ولا ايه هدفك في الحياة هاتفضل زهقان.

– التبعية وفقدان الاستقلالية
الشعور بالملل والعزلة هو سبب كبير للملل، فالشخص اللي بيحس إنه مش مستقل، ومقيد مش
قادر يختار اللي هو عايزه بحرية بيحس بملل، وعلشان كده فترة المراهقة هي فترة ذروة الملل،
وده لأن الأطفال والمراهقين ما بيكونش عندهم كامل الحرية في قراراتهم، وده بالإضافة إلى إن
في فترة المراهقة القشرة الأمامية من الدماغ ما بتكونش وصلت للمراحل النهائية من النضج،
والقشرة دي هي المسؤولة عن ضبط النفس وبتكتمل تقريبًا مع عمر ال 22 سنة.

الملل عواقبه كتير، وأحيانًا ممكن يوصل صاحبه إدمان المخدرات، الكحوليات، القمار، أو حتى
إدمان الطعام، لكن رغم كل ده الفيلسوف نيتشه بيقول إن الملل ممكن يكون فرصة للتفكير
والتأمل، وممكن يكون حافز للعمل، وممكن كمان يكون إشارة على إن المهمة اللي بتقوم بيها
مضيعة للوقت، وبالتالي ما تستحقش إنك تستمر فيها، فإنت قدامك اختيارين، يا إما تسمع كلام نيتشه وتحاول تستفيد من تحربتك مع الملل، أو بعد ما عرفت أسباب الملل تحاول تتخلص منها، اختار اللي يعجبك المهم تعمل حاجة بدل ما انت قاعد زهقان كده.

إيمان السيد
كاتبة صحفية ومهتمة بالشأن النفسي

المصادر:

https://www.theguardian.com/lifeandstyle/2016/apr/24/why-are-we-so-bored

https://www.livescience.com/23493-why-we-get-bored.html

https://www.livescience.com/56170-scientific-facts-about-
boredom.html
https://www.livescience.com/56162-science-of-boredom.html
https://www.psychologytoday.com/us/blog/science-
choice/201706/eight-reasons-why-we-get-bored

أترك تعليق