Blog Post

أن تتشارك الحياة مع مصاب بالوسواس القهري

نشر بواسطة

ShezlongAdmin

المشاركة الى:

 

تعرف عليه: خريطة مرض الوسواس القهري

نحتاج ابتداء أن نعرف أن اضطراب الوساس القهري يرمز له بالأحرف الثلاثة “أو- سي-دي”  OCD  إشارة إلى اصطلاح المرض بالإنجليزية Obsessive Compulsive Disorder  .

والـ “أو-سي-دي” أو الوسواس القهري هو نوع من أنواع القلق المزمن الذي يعاني معه المريض من الوساوس، أي الأفكار الاستحواذية التي تداهم عقله بصورة متكررة، بعضها مخيف أو مقزز أو عنيف، وقد يكون محتواها جنسيا أو أفكارا غير لائقة متعلقة بالحق سبحانه وتعالى أو الأشخاص المقدسين في حياته أو عقيدته،  وهي الأفكار التي لا يكاد المريض يستطيع ردها حتى مع إدراكه بأنها غير منطقية ومع شعوره بأنها موجعة ومنهكة لوجدانه ومع كونها تشعره بالذنب وتجعله يجلد ذاته بلا توقف.

ولا يجد المصاب بالأفكار الوسواسية لا في كثير من الأحيان مهربا من أفكاره تلك إلا بالإتيان بطقوس أو أفعال قهرية بعينها في محاولة للتخفف من تلك الوساوس. وقد يجنح لتبرير سلوكياته القهرية تلك لمن حوله وإلباسها ثوبا أخلاقيا، فيؤكد مثلا أن قهرية فعل النظافة المسيطر عليه أو كيّ ّ الملابس وتنسيقها بصورة مبالغ فيها، أو تنسيق المُعلبات في المطبخ بصورة معينة مبالغ في دقتها وتكرارها بنفس الصورة في كل مرة، أن كل هذا من فضائله وأخلاقيته ومظاهر تفوقه على الآخرين. ويتسق هذا التبرير مع الإحساس العام بالدونية والذنب الذي يسيطر على مريض الوسواس القهري، وبالتالي فإنه يجد في الاستعلائية والمباهاة بالتزامه بالقواعد وبإفراطه في التنظيم والنظافة فرصة ليتخفف من الإحساس الدائم بالدونية والذنب.

و في ضوء المتوافر من دراسات في أوساط الأشخاص الوسواسيين فإن الواضح أن للوراثة دورا في إصابتهم (في كثير من الأحيان وجد أن لعائلة المريض تاريخا مع الأمراض الوسواسية أو مع أنواع أخرى من القلق) كذلك فإن تنشئة المريض تبدو مؤثرة أيضا، فالمرجح أن المصابين بهذا الاضطراب قد تربوا تربية صارمة أو جنحت أسرهم للقسوة في التعامل معهم في طفولتهم. كما أنه من الوارد جدا أن يكونوا سقطوا فريسة للمرض بسبب تعرّضهم لأزمات وجدانية وإحباطات متكررة في تاريخهم السابق على المرض.

ولعل مما يستوقفك مع هذا المرض ما أشارت إليه دراسة تم إنجازها في أواخر التسعينيات من أن مرضى الوسواس القهري عموماً يتمتعون بذكاء فوق العادي، وذلك لطبيعة هذا المرض الذي يحتاج الى مستوى معقد من التفكير…لهذا فلم تكن دهشتي من مرض صاحبتنا الأوروبية اللبقة والذكية إلا جهلا مني بطبيعة المرض الذي اكتشفت مع المطالعة والبحث وراء المرض أنه مرتبط بمستوى الذكاء.

فالمرض، كما يتضح من مراجعة شهادات المصابين به في العيادات المتخصصة، لا يرتبط بالبلادة الذهنية ولا بالذهان والانفصال عن الواقع وإنكار المرض، لذا فإنه من غير المستغرب أن تلتقي شخصية ناجحة وذكية ونشيطة تنهش وجدانها أفكارها الوسواسية بلا توقف وبوعي كامل منها مع عجز عن الإفلات من قبضة تلك الأفكار الاستحواذية.

 

كيف تبدو سلوكيات مريض الوسواس القهري؟

ويمكن بقليل من المتابعة التعرف على الشخصية القهرية، وهي تلك الشخصية التي بدأت وسواسية ثم لم يعد أمامها مجال للإفلات من وساوسها إلا بالأفعال القهرية، ككثرة التنظيف أو الإفراط في تنسيق الأغراض بنظام معين أو فحص الأشياء من حولها بدقة للتأكد من أنها لم تنس إتمام مهمة ما مطلوبة منها، أو ترديد صيغ معينة للدعاء أو الصلوت أو حتى ترديد الأعداد /الأرقام من 1 إلى ألف أو يزيد… يكفي أن تتابع تصرفات الشخصية القهرية لعدة أيام متوالية لتدرك أنك إزاء ذلك النوع من الاضطراب ومن ثم تبدأ في وضع خطتك للتعامل معه حتى لا تبتلع وساوسه وقهرية أفعاله حياتك الخاصة…

المريض بالوسواس القهري ،مثلا، يحتاج للاختباء من وساوسه فيما يسميه المتخصصون بالـ “طقوس الإلزامية” اليومية التي يخشى أن تختل، فتجده حريصا على روتين يومي يشحنه بالتفصيلات التي تتكرر في كل يوم بنفس النمط والترتيب (الرد على رسائل الهاتف، تنسيق الفراش، الاستحمام، تناول الشاي، إلقاء التحية على شركاء الحياة… ) وهكذا بذات الترتيب وبغير قدرة على تغيير تلك الطقوس،  بل إن اختلالها يؤدي إلى اعتلال مزاج المريض وجعله أميل إلى الخوف والقلق على مدار ساعات اليوم.

وبحسب الدراسات الميدانية على عينات من مرضى الوسواس القهري، فإن من أبرز السمات الشخصية للمصاب بهذا الاضطراب، والتي يقف المرض وراء نحتها في الضخية المضطربة: الاتجاه للعمل والإنتاجية بدنيا وذهنيا بكثافة دون اعتبار لحاجة نفسه ولا من حوله للارتياح أو الاستمتاع بالحياة الخاصة لأنه مهووس باتباع القواعد والثوابت والأنظمة، و الحساسية المفرطة حتى فيما لا يثير حساسية الأشخاص العاديين أو الأكثر اتزانا، والانشغال الظاهر والمبالغ فيه بالمثاليات والقيم حتى إنه يدخل في معارك مستمرة وضخمة مع من حوله على أشياء لا تستدعي الخصومة كالأخطاء الإنسانية الواردة، ما يجعله غالبا منبوذا اجتماعيا ومكروها من المحيطين به خاصة إذا كانوا مرؤوسيه أو خاضعين لسلطته بأية صورة، ما أن تلك الشخصية (الذكية والمطلعة غالبا) دائمة الاستشهاد بالنصوص المقدسة والحكايات التاريخية لتدعيم موقفها في تلك المعارك اللامنتهية وإثبات مثاليتها.

كذلك من سمات تلك الشخصية الدقة المفرطة، ولذلك فإنه من الشخصيات القادرة على أعمال الأرشفة والفهرسة وحفظ المستندات والوثائق والصور وتنسيقها وتبويبها، حتى وإن كانت غير ذات قيمة حقيقية.

 

أن تتشارك الحياة مع مريض الوسواس القهري

بالإضافة لكل ما سبق، فالمريض بهذا الاضطراب يشعر دائما أن كل الأمور من حوله يجب أن تتوقف لأنها تسير بلا ضوابط وعلى غير هدى، على أن يعاد كل شيء ، بل ربما حياته ذاتها، من جديد! فالانضباط في حس تلك الشخصية هو التطبيق الأعمى للقواعد وأنظمة المشروع الذي يدير حتى وإن كان مشروع حياته الزوجية أو تربية أبنائه…لذا فاحتمالات الفشل في حياته الزوجية والمهنية تكون عالية.

أما السمة التي تكاد تقوده ومن حوله نحو الجنون فهي الكمالية!  فالشخص الوسواسي كمالي perfectionist   بلا روح، وبصورة مرضية تعيق إكمال مشاريعه وتحيل حياة من حوله إلى لهاث مستمر لا يصل إلى أي مكان.

وبهذه السمات، فإن الشخصية الوسواسية مزعجة لمن هم تحت سلطتها، لكنها في الوقت ذاته تلقى رضاء  من يفوقونها سلطة بانضباطها ودقتها وتقيدها الأعمى بالنظام. والغريب، كما يصف دكتور كيفوركيان في المصابين بهذا الاضطراب أن لديهم الاستعداد لإسعاد من يرونهم أقوى منهم في طباعهم ويتعاملون مع رغبات أولئك وكأنها واجبات وأوامر، وهم يخشون أكثر ما يخشون الوقوع في خطأ إزاء أولئك الأقوى منهم والذين يسعون لإسعادهم لذا تراهم، على ذكائهم المفرط ووعيهم الحاد، معلقين دائما في مصيدة الضعف والتردد، كما أن الشخصية الوسواسية تظل تدور في دوائر القلق والاكتئاب حتى وإن انتظم عالمها الخارجي تماما وإن توافرت لها كل مسببات الاستقرار والسعادة، حتى إن المتخصصين لا يستبعدون بالكامل احتمال إقبال المريض على الانتحار…أما وصمام الأمان لهذا المريض يظل هو طلب المساعدة، وهو ما لايقدم عليه المريض إلا نادرا.

وأخيرا، فإن كنت تلازم شخصية مصابة بذلك الاضطراب، فإن المتخصصين ينصحونك بعدم التدخل لتعديل أفكارهم أو كسر طقوسهم لأنك لن تستطيع، بل إن أقصى ما تستطيع عمله فعليا هو أولا إدراك طبيعة معاناتهم، وأن تتجنب انتقادهم كي لا تزيد من تلك المعاناة، بالإضافة إلى البقاء قربهم والتواصل معهم وتشجيعهم على تلقي العلاج مع متخصص.

وقد ثبت مع التجربة العملية أن العلاج السلوكي بمساعدة طبيب مختص يؤتي ثماره بدرجة كبيرة مع مرضى الوسواس القهري، كما ثبت أن العلاح الأدوية يساعد في تخفيف حدة الضغط المصاحب للأفكار المنهكة التي تسيطر على عقل المريض.

 

اجعل الحياة أفضل: انشر هذا المقال على

اترك تعليقاً

Required fields are marked

اشترك في نشرة الأخبار ليصلك أفضل المقالات لدينا: