العلاقات

٤ خطوات تساعدك علي التسامح



الغفران هو ببساطة أن يقرر الإنسان الخروج كم موقف الكراهية والرغبة في الإنتقام، وإختيار المسامحة. الغفران مفيد نفسياً لأنه يجعل من يغفر يخرج كم الحياة في حالة الضحية التي تستنزف طاقته النفسية، كما أنه يساعد علي الخروج من الحياة في الماضي إلي الحياة في الحاضر.

تتبع القدرة علي الغفران من إدراك أن الإنسان يخطئ ليس لأسباب إرادية بحتة ولكنه يخضع لمؤثرات كثيرة بيئية ونفسية، فالإنسان ليس حراً تماماً منا نظن.

كيف تغفر؟

ربما يكون الغفران سهلاً ومباشراً إذا كان الجرح سطحياً وعابراً، أما الجروح العميقة التي أدت إلي فقدان حقيقي له تأثير مستمر في حياتنا، فهي جروح تحتاج لوقت طويل، ولمراحل متتابعة لغفرانها، وإذا تجاهلنا هذه الحقيقة فنحن نخدع أنفسنا ونعتقد اننا قد غفرنا، بينما نظل نحتفظ بمرارة دون أن ندري. ينبغي أن ندرك أن الشفاء الأمراض والمشكلات النفسية يتميز بإشتراك المريض في شفاء نفسه، بعكس الأمراض الجسدية التي ربما يكون دور المريض فيها صفراً! كالمريض الذي يتمدد مخدراً علي طاولة العمليات ليجري له الجراح جراحة دقيقة. في هذه الحالة الأمر كله متوقف علي قدرة الجراح، أما في الأمور النفسية فلا يمكن للطبيب أن يفعل ما يقدر عليه المريض.

أن هناك فرقاً بين الشفاء النفسي والشفاء الجسدي، هناك أيضاً فرق بين شفاء الجروح السطحية وشفاء الجروح العميقة، فالجروح العميقة تحتاج لوقت طويل ولخطوات ضرورية و”للتغيير” عليها أكثر من من مرة، أحياناً نظن أن الغفران مجرد قرار يتخذ بشكل سطحي وبسيط، ولكننا نكتشف أن المرارة لا تزال موجودة فتعجب ونقول: لقد غفرنا، فلماذا لم تتغير الأحوال؟ وهذا هو السبب الرئيسي الذي يجعلنا نيأس من إمكانية غفران هذه الجروح العميقة، ويبدو كما لو كنا نرفض الغفران.

1- الخطوة الأولي هي إجتياز ألم الفقد “النوح”:

هل النوح أمر مفيد أم مضر؟ هذا سؤال شديد الأهمية، والإجابة التي ربما تكون غريبة علي أسماع أغلبنا هي أن النوح أمر مفيد وصحي جداً! تكمن فائدة النوح في أنه نوع من “الإخراج النفسي” إذ أنه يقوم بإخراج سموم المشاعر السلبية، قد يكون هذا بالبكاء أو بالتعبير عن الغضب بصورة غير عنيفة وبدون تعدي علي الآخرين. المهم هو ان نخرج المشاعر الفاسدة التي إذا احتجزت داخل النفس تكون بمثابة “دم فاسد” يمكن أن تهاجمه البكتيريا زالميكروبات فيتحول هذا التجمع الدموي إلي بؤرة صديدية تسمم حياة الإنسان.

ربما تحتاج أن نجتاز مرحلة النواح وإختبار ألم الفقد علي كل جرح عميق جُرحنا به أو فقد شيد فقدناه؟ فالغفران يشبه المضاد الحيوي اللازم للشفاء الجروح الداخلية، ولكن إذا وضعنا المضاد الحيوي بدون تنظيف الجرح من الصديد، لن يكون تأثيره كاملاً.

كيف نجتاز ألم الفقد بصورة صحية؟

هناك أكثر من مرحلة في إجتياز ألم الفقد نحتاج أن نعبرها دون أن نقع فيها أو نبقي فيها فترة أطول من اللازم، وذلك لكي يكون نواحنا صحياً.

– المرحلة الأولي هي مرحلة الإنكار:

فعندما يكون الفقد كبيراً تكون الصدمة شديدة أيضاً، ومن فرط شدة الصدمة ربما نظل لفترة في حالة الصدمة هذه وهذا يسمي “بالإنكار”، والإنكار هو بإختصار التوقف في مسيرة النواح قبل البداية فهو بمثابة رفض الإعتراف وأحياناً يحاول الشخص أن يكرس إنكاره هذا من خلال إضفاء صفة روحية عليه. مثال علي ذلك

“شكت لي سيدة أنها تعاني من أعراض جسمانية شديدة ومتعددة، وكيف أنها ذهبت للعديد من الأطباء، وأجرت عدداً لا يحصي من التحاليل والإشاعات دون فائدة، خلال الحديث معها أكتشفت أنها منذ حوالي سنة فقدت زوجها ورفيق عمرها بعد ثلاثين سنة من الزواج بدون إنجاب، ولقد كان زوجها هذا أقرب إنسان لها في الحياة كلها، وعندما بدأت تحكي عن ظروف وفاته، وصفت كيف أنه من فرط الإيمان لم تبكي عليه ولم تسمح لنفسها بالبكاء وأستمرت في إنكار فقده، بل وإنكار الإكتئاب فصرخ جسدها من الألم بدلاً من دموعها، وبعد حوالي شهر من أستخدام مضادات الإكتئاب تحسنت الأعراض الجسدية كثيراً.”

ما الذي يمنع الإنسان من أن يبكي ويتعزي في نفس الوقت؟!! فقد أختلط علي ثقافتنا ووعينا، فأصبحنا نربط بين الإيمان وإنكار المشاعر، بحيث يكون المؤمن الحقيقي هو الشخص الذي لا يسمح لنفسه أن يحزن أكثر من اللازم أو يفرح أكثر من اللازم، بل يظل علي حالة من “الثبات النفسي” الذي من الأفضل أن نسميه “الجمود النفسي أو الإنكار”.

– المرحلة الثانية هي مرحلة الغضب:

فبعد إجتياز الصدمة تظهر مشاعر الغضب، وهذا الغضب طبيعي لكنه لابد أن “يُصرف” ويُعَبر عنه بطرق صحية ربما من خلال الكلام في الصلاة أو في جلسة مشورة أو من خلال كتابة خطاب نرسله أو لا نرسله وذلك لأن الغضب الذي لا نعبر عنه من الممكن أن يتحول إلي مرارة وكراهية تجاه شخص ما، أو ربما اتجاه كل الناس أو الحياة بجملتها.

– وأحياناً كثيرة يقع الإنسان في مرحلة ثالثة وهي الإكتئاب:

وهذا يحدث عندما يتم التعامل مع الغضب بطريقة خاطئة، حيث يوجهه الإنسان إلي نفسه بإعتبار هذه أسهل طريقة للتعامل مع الغضب دون الإساءة لآخرين، وهي طريقة يتبعها كثيرون ممن لديهم إحساس قوي بالخطأ والصواب وميل للوم النفس والشعور بالذنب، هذا ما يفعله النائحون كثيراً في ثقافتنا الشرقية.

– أما المرحلة الرابعة فنسميها مرحلة المساومة والتفكير السحري:

المساومة أو “الفصال” هي محاولة تغيير سعر السلعة وشرائها بثمن أقل، لكن عندما يكون السعر ثابتاً تكون المساومة فكرة سحرية غير واقعية لا تؤدي إلا إلي مضيعة للوقت والطاقة النفسية، المساومة مع الفقد مثل المساومة لتغيير سعر ثابت، فما قد حدث قد حدث ولا يمكن أن نرجع بعقارب الساعة للوراء. التفكير بطريقة “ماذا لو” لم يكن قد حدث كنا وكنا هو نوع من التفكير العقيم الذي يجعلنا نعيش الجرح لفترة أطول ولا نُشفي منه.

من الطبيعي أن نمر بهذه المراحل بل ومن الطبيعي أيضاً أن نعود لمرحلة بعد أن نكون قد عبرناها، ولكن في النهاية عندما نخرج من هذه المراحل، نختبر الحزن الصحي والبكاء الذي يطهر القلب ويقبل الفقد ويتجاوزه ويعيش بالحاضر، ويختلف الحزن الصحي عن الإكتئاب، فالحزن الصحي ليست فيه كراهية للنفس وللحياة وإنما حزن علي ما حدث، وهذا طبيعي فالفقد مُحزن والجروح تستحق البكاء عليه.

2- الخطوة الثانية هي إتخاذ القرار بالغفران:

بعد إجتياز مراحل الفقد يصبح القرار بالغفران أسهل. والسبب الذي يجعلنا نشعر أحياناً أننا غير قادرين علي إتخاذ هذا القرار هو اننا نريد أن نتخذ القرار دون الخوض في ألم الفقد.

– الغفران قرار:

• بالتوقف عن التركيز علي الجرح “الموقف” وعلي الشخص المتسبب فيه.
• بالتحول من الحياة في الماضي إلي الحياة في الحاضر.
• بالتوقف عن الحياة في دور الضحية.
• بالتخلي عن الرغبة في الإنتقام والرغبة في حدوث شئ ضار للشخص.
• بإطلاق المسئ من داخلنا، لأن الحقيقة هي أن السجان هو المسجون الحقيقي.

– وفي بعض الأحيان يكون القرار صعباً (حتي بعد إجتياز ألم الفقد) فإننا نحتاج لقوة روحية:

• كي نستطيع أن نري أنفسنا بعيني الله ونري رحمة الله لنا.
• كي نتوب عن الكبرياء الذي يمنعنا من رؤية أنفسنا كأشخاص نخطئ ومحتاجون للغفران والسماح.
• كي نستطيع أن نري عيوب ومتاعب هذا الشخص والأسباب التي ربما جعلته يتصرف بهذه الطريقة.

3- الخطوة الثالثة هي العمل:

يحتاج القرار إلي متابعة العمل فيه، وخصوصاً بالنسبة للجروح العميقة (هذا ما يمكن أن نسميه التغيير علي الجرح). فربما بعد إتخاذ القرار بالغفران تظهر شحنة غضب جديدة، فلا بأس عًبر عن هذا الغضب (ربما بالكتابة) ثم أعد القرار بالغفران وتابع الغفران. ربما تحت تأثير التعب يحدث لجوء لتفكير سحري فأقول لنفسي مثلاً: “لماذا حدث هذا لي؟”. واجه ما حدث وأقبل حقيقة أنه حدث بالفعل ولا يمكن تغيير ذلك، ثم تابع الغفران. كما سبق وأشرنا فإن الإجتياز في ألم الفقد والغفران وأي خطوات للشفاء والنضوج النفسي لا تحدث دون إنتكاسات ورجوع للوراء بعض المرات، ولكن في كل مرة نرجع للوراء علينا أن نعاود التقدم للأمام.

الشفاء والنضوج لا يحدثان بالتقدم للأمام بلا تراجع مطلقاً، وإنما بطريقة التقدم ثلاث خطوات للأمام ثم الرجوع خطوتين للخلف. هذا ليس رجوعاً حقيقياً للوراء بل هو تقدم للأمام خطوة، تنتهي مرحلة العمل بما يسمي الإطلاق، والإطلاق هذا يحدث عندما يحدث أمران:

• التوقف عن اجترار الحدث والتفكير فيه.
• عند تذكر الحدث لأي سبب، لا توجد مشاعر سلبية شديدة كالألم والحزن والغضب والكراهية، أو الخوف من تكرار الجروح والإحساس بالمهانة والضعف.

– اخيراً الغفران ليس:

• قبول الخطأ الذي حدث.
• نقل المسئولية عن الشخص المخطئ فهو يظل مسئولاً دائماً.
• القول بأن الجرح غير مهم او أن المجروح شخص غير مهم.
• الإلتزام بالحفاظ علي العلاقة في المستقبل.
• التوقف عن كراهية ما حدث ولكن التوقف عن كراهية الشخص.
• حدوث نسيان تلقائي ولكنه الإستعداد للنسيان.
• تجاهل المعاناة الناتجة من الإساءة، فعندما اتألم من نتائج ما حدث فهذا لا يعني أنني لم أغفر.
• مبرراً للشعور بالتفوق الأخلاقي علي من غفرت له، لأننا كلنا نخطئ ومحتاجون للغفران بصور ودرجات متفاوتة.

من كتاب “صحة العلاقات” لـ د/ أوسم وصفي

عن الكاتب

Shezlong Team

Shezlong Team

أول موقع للعلاج النفسى على الإنترنت فى الوطن العربى | اتكلم.. هنساعدك

www.Shezlong.com

error: المحتوي المدونة محمي بحقوق الحفظ ، من فضلك أتصل بنا