أمراض نفسية مقالات مميزة

لماذا لا أذهب إلى الطبيب النفسي؟

Stigma
د. محمد الشامى
كتبت بواسطة د. محمد الشامى

لماذا لا أذهب إلى الطبيب النفسي؟

هناك موانع متعددة قد تتدخل في رغبة الشخص للذهاب إلى الطبيب النفسي في حالة الحاجة إلى استشارته، وهذه الموانع تزيد من تأخر المشكلة عند الشخص مما يزيد المشكلة صعوبة في حلها. نذكر أهم الموانع والرد عليها:

أنا مش مجنون علشان أروح لكتور نفساني!

  • وهذا الكلام مبني على أن الشخص معتبر لرأيه ولا يريد أن يسمع ما لا يوافق رأيه أو هواه. فهو يتحجج بأن المشكلة أن الطبيب النفسي يعالج “المجانين” فقط وهذا قطعا غير صحيح. وهذا نابع من عملية إنكار داخلية أن هناك مشكلة لدى الشخص نفسه وأن المشكلة عند الآخرين.
  • نسبة الأمراض النفسية التي تُفقد العقل مقارنة بالأمراض الأخرى نسبة ضئيلة جداً جداً. خذ مثالاً أن الاكتئاب – حسب إحصائيات عالمية – يصيب 80% من البشر في مرحلة من حياتهم، في حين أن الذهان (الشيزوفرينيا) وهو مرض يسمونه الناس “جنوناً” يصيب 1.5% من المجتمع فقط.

المشكلة اني بعيد عن ربنا، مش مشكلة نفسية.

  • لازالت المشكلة في إنكار المشكلة النفسية. ربما تكون هناك مشكلة دينية، لكن ليس هناك ارتباطاً سببياً بين الحالة الإيمانية والحالة النفسية. يعني ليس نقص الإيمان أو ضعفه سبباً في المشكلة النفسية، وإلا لكان غير المؤمنين كلهم مرضى نفسيون وهذا غير صحيح. ولقد ذكرت عندما كتبت عن الوسواس القهري أن من خلال خبرتي في المجال – وهو غير مذكور في الكتب لكن هي ملاحظة شخصية – وجدت أن الكثير من المصابين بالوسواس القهري (خاصة في الطهارة) هم من الملتزمين دينياً. كذلك تجد أن المشاكل الزوجية المؤثرة على الزوجين والأولاد كثيرة حتى في بيوت الملتزمين دينياً.
  • عكس هذه الفكرة هو الصحيح؛ يعني أن المشاكل النفسية كلها بلا إستثناء تؤثر سلباً على علاقة العبد بربه.
  • لو سلمنا جدلاً أن الإيمان فعلاً يعصم من الأمراض النفسية، فهو في حالة الإيمان القريب من الكمال، فمن يملك هذا الإيمان في هذا الزمن؟ ولو افترضنا أنه موجود فإن الحقيقة أن العصمة هنا من الأمراض النفسية – مثلها مثل بقية الأمراض – هي بسبب حب الله للعبد وحفظه لعبده وليس لأن الدين يمنع كل الأمراض النفسية.
  • لا يفهم من كلامي أن العامل الديني ليس له دور في علاج بعض الحالات، وقد ذكرت في مقال القلق كمثال أن الإيمان اليقيني بـ “أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك” يمنع الكثير جداً من القلق.

المشكلة اللي عندي سحر وحسد مش مشكلة نفسية. وأصلا الدكاترة النفسيين لا يؤمنوا لا بالسحر ولا بالحسد.

  • قبل أن أرد على هذا أحب إثبت أني أؤمن بالسحر والحسد وتأثيرهما على الإنسان ولا أنكره، وكيف ننكر شيئا ذُكر في القرآن؟ والأطباء النفسيين مثلهم مثل غيرهم من البشر يعتقدون ما يعتقده الآخرون، والتخصص لا يفرض على الشخص اعتقاداً معيناً.

هنا المشكلة لها أبعاد كثيرة سأفرد لها مقالا خاصاً؛ لكن سريعاً أقول أن:

  • الأمراض النفسية إنتشارها أكثر بكثير جداً جداً من السحر والحسد. فلا يكاد شخص على وجه الأرض إلا ويعاني من مشكلة في نفسه (ليس بالضرورة قطعاً أن يكون مريضاً نفسياً ويحتاج لعلاج نفسي). بينما عدد المصابين بآثار السحر والحسد أقل من ذلك بكثير، والدليل على قلة نسبتهم أن كل من يؤمن أنه محسود أو مسحور يلجأ بنفسه أولاً للقرآن والأذكار ثم لشيخ يقرأ عليه، وكثيرا ما تستمر المشكلة مع الشخص، ولا يجرؤ الشخص أن يقول أن المشكلة في العلاج الديني، لكن يظل متمسكاً بأن المشكلة دينية ليهرب من العلاج النفسي.
  • نحن مازلنا لا نحب الاعتراف بمشاكلنا التي لنا دور فيها، وأسهل على الشخص أن يقول أن هذا بفعل آخرين (الجن) “وأنا ماليش دعوة باللي بيحصلي”. أو بعبارة أوضح “لو أنا اللي تعبان فهكون مسؤول عن مشاكلي والناس تلومني وتطلب مني أعتذر لهم وأصلح الأمور، خليها جن واخلص”.
  • هل هناك مانع من قراءة القرآن والأذكار كعلاج واستشارة طبيب نفسي في ذات الوقت وأخذ علاج لو هناك حاجة له؟ الإجابة قطعا لا مانع مطلقاً.

أنا لو رحت لدكتور نفساني هيقولوا عليا مجنون وتبقى مشكلة وماحدش حيجوزني ولا يقبل اني أشتغل معاه وإلخ.

  • حقيقة هذه أوهام يوهم بها الشخص نفسه؛ وأبسط رد على ذلك أن هناك مئات الآلاف من البشر إن لم يكن ملايين يذهبون إلى الطبيب النفسي كل يوم على وجه الأرض. ويأتي إلى العيادات الصغار والكبار والمخطوبون والمتزوجون وآخرين وقد تخلصوا من هذه الأوهام حتى لا يعطلوا أنفسهم عن العلاج والتخلص من مشاكلهم.

أنا خايف أروح الدكتور مايسمعنيش
أنا رحت لدكتور بس هو ماسمعش مني ومش عاوز أروح تاني
أنا رحت لدكتور وحسيت انه مش فاهمني

لتشخيص المشكلات النفسية هناك علامات كثيرة ليس كلها من خلال الكلام، بل إن الطبيب المتميز يستطيع تشخيص بعض المشاكل من مجرد نظرة للشخص حتى لو لم يتكلم. وهناك بالفعل بعض الأشخاص الذين يأتون للعيادات النفسية ولا يتكلمون إما بسبب الإكتئاب الشديد أو الحرج أو الخوف أو غيره. والطبيب النفسي يستطيع معرفة السبب ويشخص من خلال ذلك.

صحيح أن من حق طلب الإستشارة التحدث بكل ما بداخله وهو حق كامل له، لكن ستجد أن الطبيب يركز على نقاط محددة هي التي تنقصه ليكمل تشخيصه بغض النظر عما يحكيه الشخص، وكثيراً ما تجد أن الطبيب يسمع وهو يعلم أن هذا الذي يحكيه الشخص ليس ضرورياً في التشخيص أو العلاج لكن أحياناً يعطيه وقته حتى لا يقال أنه لم يتكلم.

أنا خايف أروح لدكتور يكتب لي على أدوية مهدئة

واقعياً هذا بعيد جداً الأطباء النفسيون هم من أقل الأطباء الذين يكتبون على أدوية مهدئة:

  1. كيف يكون الطبيب يعالج الإدمان والمدمنين ويكتب علاجاً قد يسبب عند سوء الإستخدام إدماناً؟
  2. إن المرضى النفسيين لهم طبيعة خاصة فلا يمكن كتابة علاجاً والطبيب يعلم أن المريض سيستخدمه بشكل خاطئ.
  3. الأدوية النفسية أنواعها كثيرة واستخدامها متنوع، ونسبة الأدوية المهدئة لغير المهدئة قليلة جداً، ووصفها كما ذكرنا من الطبيب النفسي نادر جداً. أكثر من يكتب هذه الأدوية هم أطباء الألم، والمخ والأعصاب (بعد العمليات الجراحية)، والباطنة، والأورام، والعظام، ومع ذلك لا تجد شخصاً يقلق من تلك التخصصات.
  4. الأدوية المهدئة في الأول والآخر أدوية لعلاج مشكلات مختلفة، وإلا لما تم الاعتراف بها ولا تداولها كعلاج. ولا حرج من استخدامها لكن تحت إشراف طبيب. والواقع يقول ان في كثير من البيوت في مصر مثلاً – ولا أكون مبالغا إذا قلت الأغلبية الكبيرة – قد لجأت للأدوية المهدئة من خلال الصيدلي بسبب مشاكل النوم أو القلق؛ فهم يفعلون ما يدعون أنهم يهربون منه.
  5. ربما تكون هذه فكرة أن الأمراض النفسية نابعة من أن مدة العلاج للأمراض النفسية المختلفة يطول. فأحياناً قليلة تكون مدة العلاج ثلاثة شهوركأقصر مدة، وفي أغلب الحالات تزيد عن ذلك إلى ما شاء الله حسب طبيعة المشكلة وشخصية الإنسان ومدة المرض ومدى الاستجابة.
  6. كذلك ربما يكون السبب في ظن أن الأدوية النفسية هي مهدئة وليست معالجة عدم معرفة الناس أن المشكلات النفسية نابعة من اضطرابات في المواد الكميائية في المخ، والأدوية هي التي تضبطها. فيظن الناس أن الأدوية المهدئة دورها تهدئة المشكلة الحالية وليس حلها من أصلها.
  7. ومن الاحتمالات التي تجعل الناس تظن أن الأدوية النفسية أدوية مهدئة هي أن بعض من كان يأخذ الأدوية إما أنه تركها من نفسه أو من خلال الطبيب فعاد إليه التعب، فيظن الناس أنه تعود على الدواء وسيحتاج إليه بإستمرار. وهذا ليس صحيحاً. هناك عوامل تجعل الشخص ينتكس: منها أنه لم يكمل الاستفادة كاملة من الأدوية، ومنها – وهو مهم جدا – أن طبيعة الشخصية قد تحتاج للتغيير كعلاج وكوقاية من المرض الذي وقع فيه سابقاً وهذا يحتاج لمجهود كبير من الشخص ووقت. فإذا توقف العلاج تقع المشكلة مرة أخرى.

أنا لو رحت لدكتور نفسي هيكتب لي على أدوية نفسية وأخش في دوامات، أنا عاوز يقول لي على حاجات أعملها ومايكتبش على أدوية.

الإجابة: يا ريت كان ينفع.

بسبب ثقافة المجتمع التي تؤخر العلاج النفسي – وهو ما أحاول أن أواجهه في هذا المقال – يصل الشخص إلى العيادة النفسية متأخراً جداً وبعد ما استنفذ كل الوسائل المتاحة للتخلص من المشكلة. ومن خلال خبرة شخصية أقول أن الكثير من النسا يتأخرون سناً حتى يخطوا أول خطوة للعيادة النفسية. وبعد ذلك يقول: لا قل لي أعمل ايه وأنا أعمله. الطبيب لو هو واثق من أن هناك أمل في حل للمشكلة بدون دواء أكيد سيقول النصيحة كاملة. الدواء مسؤولية أكبر على الطبيب.

في البلاد الأجنبية يكاد يكون لكل شخص معالج نفسي له يشكي له أموره أولاً بأول فيبدأ سريعاً في العلاج قبل أن تتفاقم الأمور، أما في بلادنا فلو أن شخصاً عنده مشكلة يمكن أن يعالجه من حوله بمخدرات ولا يذهبوا به للطبيب النفسي!!!

طب أنا ماعنديش كل اللي أنت قلتهم دول ومقتنع بالدكتور النفسي بس أهلي مش موافقين.

  • الإجابة: ده “تلكيكة” واللي عاوز يعمل حاجة بيعملها.
  • حالياً يمكن أن تكشف على نفسك من البيت من خلال الإنترنت.
  • أنت الشخص الذي تعاني وليس أحد آخر وتحتاج لمساعدة نفسك في طلب المساعدة.

العلاج النفسي كلما بدأ مبكراً .. عالج المشكلة النفسية قبل أن تتفاقم، ولابد من التغلب على الموانع التى تمنع الشخص من البدء في هذه الخطوة.

عن الكاتب

د. محمد الشامى

د. محمد الشامى

error: المحتوي المدونة محمي بحقوق الحفظ ، من فضلك أتصل بنا